رغم وفرة المياه.. 151 بلدية سويسرية تحظر ملء المسابح وسقي الحدائق
تُعرف سويسرا منذ عقود بأنها "خزان أوروبا" بفضل وفرة مواردها المائية، لكن صيف 2026 كشف مفارقة لافتة، إذ فرضت 151 بلدية على الأقل قيودًا إلزامية على استخدام المياه، شملت حظر ملء المسابح وسقي الحدائق وغسل السيارات، رغم أن البلاد لا تعاني نقصًا عامًا في المياه.
وبحسب تحقيق أجراه موقع "سويس إنفو"، دعت 194 بلدية سويسرية السكان إلى ترشيد استهلاك المياه حتى 24 يوليو، فيما ذهبت 151 بلدية إلى أبعد من ذلك عبر فرض قيود إلزامية ترافقها غرامات تصل في بعض المناطق إلى ألفي فرنك سويسري.
وبدأت بعض هذه الإجراءات في 22 يونيو، عندما تلقى سكان خمس قرى في كانتون فريبورغ رسائل رسمية تدعوهم إلى الحد من استهلاك المياه، عبر الامتناع عن ملء المسابح وسقي الحدائق وغسل السيارات والشرفات.
ورغم أن معدلات هطول الأمطار تراجعت هذا العام مقارنة بالمعدلات المعتادة، فإن المشكلة لا ترتبط بندرة المياه على المستوى الوطني، بل بسوء توزيعها بين المناطق المختلفة.
ويكشف التحقيق عن تفاوت واضح بين البلديات السويسرية، ففي حين تفرض بعض المناطق قيودًا صارمة، لا ترى مناطق أخرى تواجه الظروف المناخية نفسها أي حاجة لاتخاذ إجراءات مماثلة.

سويسرا تفرض قيودا على استخدام المياه في عدد من المناطق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف ونقص الموارد المائية
وفي إحدى قرى كانتون تيتشينو، على سبيل المثال، حددت السلطات أيام سقي النباتات وفقًا لرقم المنزل، إذ يُسمح لأصحاب المنازل ذات الأرقام الزوجية بالسقي في أيام محددة، بينما يُخصص جدول مختلف لأصحاب المنازل ذات الأرقام الفردية.
وفي مناطق أخرى، يُسمح للسكان بسقي الحدائق يدويًا، لكن يُحظر استخدام خراطيم المياه، تحت طائلة غرامات قد تصل إلى ألف فرنك.
ويعود هذا التفاوت إلى النظام الفدرالي السويسري، الذي يمنح الكانتونات الـ26 مسؤولية إدارة الموارد المائية، بينما تمتلك البلديات صلاحيات واسعة لوضع قواعدها الخاصة المتعلقة باستخدام المياه.
ولا توجد قاعدة بيانات وطنية ترصد هذه الإجراءات بصورة شاملة، إذ لا يتابع سوى عدد محدود من الكانتونات القرارات التي تتخذها البلديات بشكل منتظم.
وفي كانتون فريبورغ، تُلزم السلطات البلديات بالإعلان عن القيود المفروضة ونشرها عبر خريطة تفاعلية، وتشير البيانات إلى أن نحو 40% من بلديات الكانتون فرضت هذا الصيف قيودًا أو أصدرت توصيات لترشيد الاستهلاك.
وكشف التحقيق عن ثلاثة أسباب رئيسية تدفع البلديات إلى فرض هذه القيود.

ويتمثل السبب الأول في حدوث نقص فعلي في بعض المناطق، خاصة تلك التي تعتمد على الينابيع المحلية، التي تنخفض تدفقاتها بسرعة خلال فترات الجفاف.
وفي قرية روسينيير بجبال الألب، اضطرت السلطات إلى حظر سقي الحدائق بعد تراجع منسوب الينابيع، مؤكدة أن هطول أمطار غزيرة ليوم واحد لن يكون كافيًا لإعادة تعبئة الاحتياطات المائية.
أما السبب الثاني، فهو ارتفاع التكاليف المالية، فبلدية بفونغن، الواقعة بالقرب من زيورخ، تعتمد أساسًا على مواردها الخاصة، لكنها تضطر خلال فترات الذروة إلى شراء كميات إضافية من المياه من مدينة فينترتور المجاورة.
وتنص العقود المبرمة بين الطرفين على أسعار محددة لكميات معينة من المياه، لكن تجاوز هذه الكميات يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بمقدار خمسة أضعاف.
ولأن أسعار المياه للمستهلكين محددة مسبقًا، لا تستطيع البلدية تحميل السكان هذه الزيادات بشكل مباشر، ما يدفعها إلى تشجيع السكان على تقليل الاستهلاك لتجنب ارتفاع التكاليف.
وأطلقت البلدية حملة لترشيد استهلاك المياه، شملت تقليل مدة الاستحمام وتأجيل غسل السيارات والامتناع عن سقي الحقول، وهو ما أسهم في خفض الاستهلاك وتجنب تجاوز الكميات المتفق عليها.
ووفقًا للجمعية السويسرية لصناعة الغاز والمياه، يستطيع نحو 90% من موزعي المياه في البلاد شراء المياه من بلديات مجاورة بفضل شبكات الربط والاتفاقيات المبرمة منذ عقود.

أما السبب الثالث، فيرتبط بالبنية التحتية، إذ إن شبكات المياه مصممة لتلبية الاحتياجات اليومية المعتادة، لكنها تواجه ضغوطًا كبيرة خلال موجات الحر، عندما يرتفع الاستهلاك بشكل متزامن بسبب الاستحمام وسقي الحدائق واستخدام المياه المنزلية.
وأكدت الجمعية أن شبكات المياه الحالية ليست مجهزة للتعامل مع ذروات الاستهلاك المرتفعة التي تشهدها البلاد خلال فترات الحر الشديد.
وشهدت سويسرا مواقف مماثلة خلال السنوات الماضية، ففي عام 2018، اضطر الجيش إلى نقل المياه جوًا من البحيرات إلى المراعي الجبلية التي جفت مصادرها الطبيعية.
وفي عام 2022، استخدمت صهاريج متنقلة لتزويد بعض البلديات بالمياه، فيما تدخلت مروحيات الجيش لنقلها إلى المناطق الزراعية والمراعي الجافة.
ومع تكرار موجات الجفاف، بدأت البلديات التي كانت تعتمد تاريخيًا على مواردها الذاتية في توقيع اتفاقيات جديدة مع المناطق المجاورة، ما أدى إلى تحول شراء المياه وفرض القيود من إجراءات استثنائية إلى جزء دائم من منظومة إدارة الموارد المائية.
وفي الوقت نفسه، يناقش البرلمان السويسري إعداد استراتيجية وطنية للمياه، من المتوقع نشرها بحلول نهاية عام 2027، لكن السلطات الفدرالية أكدت أن الكانتونات والبلديات ستحتفظ بصلاحياتها الحالية، ما يعني أن القرارات المتعلقة بإدارة المياه ستظل تُتخذ محليًا.
وتؤكد تجربة هذا الصيف أن امتلاك كميات كبيرة من المياه لا يضمن بالضرورة وصولها إلى جميع المناطق بالتساوي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف عامًا بعد آخر.



