لماذا تصعد كوريا الشمالية هجومها على اليابان وتتجاهل تجاربها الصاروخية؟
صعدت كوريا الشمالية خلال الأسابيع الأخيرة حملتها ضد اليابان، مركزة على ما تصفه بالتوسع العسكري المتسارع لطوكيو وتعزيز علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في خطاب يتزامن مع تطورات لافتة في موازين القوى بشرق آسيا.
ومنذ مطلع يوليو، نشرت أكثر من اثنتي عشرة وسيلة إعلام حكومية كورية شمالية انتقادات متتالية للسياسة الدفاعية اليابانية، استهدفت خصوصاً زيادة الإنفاق العسكري، والحصول على قدرات صاروخية بعيدة المدى، واختبار صاروخ "توماهوك" أمريكي الصنع، إضافة إلى الكتاب الأبيض الدفاعي الياباني لعام 2026.
وفي الأسبوع الماضي، حذرت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون وأحد أبرز المسؤولين في النظام، من أن تحول اليابان إلى ما وصفته بـ"قوة عسكرية" قد يؤدي إلى "خيارات عسكرية إضافية" من جانب بيونج يانج.
كما وصفت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الكتاب الأبيض للدفاع الياباني لعام 2026 بأنه وثيقة تتبنى، بحسب وصفها، "عقلية إعادة الغزو"، معتبرة أن طوكيو تستخدم المخاوف الأمنية لتبرير توسيع قدراتها العسكرية.
ولم تقتصر الانتقادات على اليابان، إذ هاجمت بيونج يانج أيضا المناورات العسكرية السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، المعروفة باسم "درع الحرية أولتشي"، واتهمت التعاون العسكري بين واشنطن وطوكيو وسيول بالتحول إلى ما وصفته بـ"تحالف نووي".
وتؤكد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أن المناورات ذات طبيعة دفاعية، فيما اتهمت وكالة الأنباء المركزية الكورية واشنطن بانتهاج سياسة تخفض عتبة استخدام الأسلحة النووية، مستندة إلى التزامات الردع الموسع التي تقدمها الولايات المتحدة لكل من كوريا الجنوبية واليابان.
لماذا تخشى بيونج يانج التحول العسكري الياباني؟
تعود جذور القلق الكوري الشمالي إلى التحول التدريجي في السياسة الدفاعية اليابانية خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2022، أعلنت طوكيو خططا لمضاعفة إنفاقها الدفاعي ليصل إلى نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في إطار مواجهة ما تعتبره تهديدات متزايدة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
ويشمل التوسع العسكري الياباني الاستثمار في صواريخ بعيدة المدى، بينها صواريخ "توماهوك" الأمريكية الصنع، القادرة على ضرب أهداف على مسافات تتجاوز ألف كيلومتر.
كما يُتوقع أن تراجع حكومة رئيسة الوزراء اليابانية سناء تاكايتشي استراتيجية الأمن القومي خلال العام الجاري، في خطوة قد تفتح الباب أمام زيادات إضافية في الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك تطوير الطائرات المسيّرة وزيادة قدرات إنتاج الأسلحة.
اليابان ليست الهدف الوحيد
يرى محللون أن التركيز الكوري الشمالي المتزايد على اليابان يتجاوز الخلاف المباشر مع طوكيو، ويرتبط بمحاولة بيونج يانج إعادة صياغة المشهد الأمني في شمال شرق آسيا باعتباره مواجهة بين كتلتين.
وقال بارك وون غون، أستاذ الدراسات الكورية الشمالية في جامعة إيهوا النسائية في سيول، إن الهدف الأوسع لبيونج يانج هو تصوير المنطقة باعتبارها ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان من جهة، وكوريا الشمالية والصين وروسيا من جهة أخرى.
وأضاف أن كوريا الشمالية تسعى من خلال هذا الطرح إلى الحصول على دعم أكبر من بكين وموسكو، بما يساعدها على الخروج من العزلة الدبلوماسية، وتعزيز حجتها بأن امتلاك ترسانة نووية يمثل ضرورة في ظل البيئة الأمنية المحيطة بها.
وتبنت وزارة التوحيد الكورية الجنوبية قراءة مشابهة، بعدما انتقد نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي جانغ كوم تشول خطط سيول للحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية، واتهم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان بالتحضير لما وصفه بـ"نظام أوكوس ثانٍ" في شمال شرق آسيا.
وقالت الوزارة إن بيونج يانج تبدو وكأنها تنظر إلى الخطط الكورية الجنوبية الخاصة بالغواصات، والتحول في الموقف الأمني الياباني، والتعاون العسكري الثلاثي بين واشنطن وسيول وطوكيو، باعتبارها تهديدات لتوازن القوى في المنطقة، في وقت تزداد فيه علاقات كوريا الشمالية مع الصين وروسيا تقاربا.
وقال ليم إيول تشول، أستاذ الدراسات الكورية الشمالية في جامعة كيونججنام، إن الخطاب الصادر عن بيونغ يانغ يعكس بصورة متزايدة المخاوف الصينية من تنامي القدرات العسكرية اليابانية.
صمت غير معتاد عن تجارب الصواريخ
في الوقت نفسه، لفت الانتباه تزامن التصعيد الخطابي ضد اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مع صمت غير معتاد من وسائل الإعلام الحكومية الكورية الشمالية بشأن تجارب صاروخية أجرتها بيونج يانج مؤخرا.
وأجرت كوريا الشمالية اختبارات لصواريخ باليستية الأسبوع الماضي، قبل أن تجري عمليات إطلاق أخرى هذا الأسبوع، وأدانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان تلك التجارب، لكن وسائل الإعلام الحكومية في بيونغ يانغ لم تعلن عن عمليات الإطلاق حتى الآن، خلافا للنمط المعتاد الذي كانت تتبعه بنشر تقارير عن التجارب خلال يوم واحد من تنفيذها.
ويرى محللون أن الصمت قد يكون مرتبطا بطبيعة الأسلحة التي جرى اختبارها، إذ ربما تضمنت عمليات الإطلاق نسخاً مطورة من أنظمة صاروخية قائمة بدلا من أسلحة جديدة، ما قد يجعلها أقل أهمية من الناحية الدعائية.
وقال شين جونج وو، من منتدى الدفاع والأمن الكوري، إن الاختبارات ربما شملت صواريخ باليستية قصيرة المدى جرى تحسينها بمساعدة تقنية روسية، وربما كانت موجهة إلى استخدامها أو تصديرها إلى روسيا.
بدوره، قال كيم يونج هيون، أستاذ جامعة دونجوك، إن بيونغ يانغ قد تتجنب الترويج إعلاميا لهذه الاختبارات إذا كانت مرتبطة باحتمال تصدير أسلحة إلى روسيا.
روسيا تدخل في حسابات بيونج يانج
أصبح التعاون العسكري المتنامي بين كوريا الشمالية وروسيا عاملا رئيسيا في تقييم تطور القدرات العسكرية لبيونج يانج، واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كوريا الشمالية مرارا بتزويد روسيا بالصواريخ والذخائر، وقال إن القوات الروسية لا تزال تستخدم أسلحة كورية شمالية خلال الحرب في أوكرانيا، كما اتهم بيونج يانج بتقديم دعم عسكري إضافي لموسكو.
ويرى محللون أن الخبرة القتالية المكتسبة من استخدام هذه الأسلحة، إلى جانب المساعدة التقنية الروسية، ربما ساهمت في تحسين دقة وأداء بعض الأنظمة الصاروخية الكورية الشمالية.
وقال شين إن عمليات الإطلاق الأخيرة قد تكون اختبارات لنسخ مطورة من صواريخ قائمة، قبل إدخالها الخدمة أو إرسالها إلى الخارج.
ماذا تريد بيونج يانج؟
يرى المحللون أن التصعيد ضد اليابان لا يتعلق بطوكيو وحدها، وإنما يمثل جزءا من محاولة أوسع لكوريا الشمالية لإعادة تقديم نفسها داخل نظام إقليمي يقوم على تحالفات متنافسة.
وتسعى بيونج يانج إلى تصوير التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان باعتباره تحالفا متناميا ذا طابع عسكري ونووي، في مقابل تقاربها المتزايد مع الصين وروسيا.
ومن شأن هذا الخطاب، بحسب المحللين، أن يمنح كوريا الشمالية مبررا إضافيا لتطوير برامجها الصاروخية والنووية، وأن يساعدها في طلب دعم أكبر من بكين وموسكو، فضلا عن تعزيز روايتها بأن ترسانتها النووية تمثل ردا ضروريا على ما تصفه ببيئة أمنية إقليمية تزداد خطورة.
وبذلك، وفقا للتقارير، فإن التصعيد الأخير ضد اليابان قد يكون أقل ارتباطا بطوكيو وحدها، وأكثر ارتباطا بمحاولة بيونج يانج رسم خريطة جديدة للصراع في شرق آسيا، تقوم على مواجهة واضحة بين كتلتين أمنيتين متنافستين.



