«3 أزمات في أسبوع واحد».. ليبيا تواجه تصعيدًا يضرب الأمن والنفط والدينار
تعيش ليبيا أسبوعًا حرجًا على وقع تطورات متزامنة تمس ملفات الأمن والطاقة والاستقرار النقدي، وسط مخاوف من محاولات لإرباك المشهد الداخلي، بالتزامن مع تحركات سياسية تهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة والسلطة.
وتصدرت واقعة اغتيال مسؤول استخباراتي عسكري رفيع في بنغازي المشهد الأمني، بعد مقتله، يوم الإثنين، إثر انفجار عبوة ناسفة زرعت في سيارته بحي الهواري شرقي البلاد، في حادث أثار تساؤلات بشأن الجهات المستفيدة من زعزعة استقرار مدينة تعد من أكثر المناطق أمنًا في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.
خلية متطرفة في واقعة اغتيال المنصوري
وفي ظل عدم إعلان الجهات الرسمية تفاصيل بشأن المسؤولين عن اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري، أفادت مصادر ليبية مطلعة بأن الأجهزة الأمنية توصلت إلى خيوط تقود إلى خلية يشتبه في ارتباطها بأنشطة متطرفة.

ووفقًا للمصادر، ألقت الجهات المختصة القبض على عدد من عناصر الخلية، للاشتباه في تورطهم في التخطيط لعملية الاغتيال والإعداد لتنفيذ أعمال تخريبية أخرى.
وفي تطور متصل، أعلنت القيادة العامة للجيش الليبي تشكيل لجنة أمنية للتحقيق في ملابسات استهداف المنصوري في بنغازي، وكشف تفاصيل العملية وتحديد المتورطين فيها، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
وربط مصدر ليبي، بين محاولة زعزعة الاستقرار في شرق البلاد والمكانة التي بات يحظى بها الجيش الوطني الليبي في المفاوضات المتعلقة بإعادة توحيد السلطة والمؤسسات، فضلًا عن دوره في تعزيز الأمن بالمنطقة.
وأشار المصدر إلى أن التحولات في النظرة الدولية إلى شرق ليبيا تعكسها أيضًا تعديلات أجرتها بريطانيا مؤخرًا على إرشادات السفر، صنفت بموجبها عددًا من المدن الليبية، بينها بنغازي، باعتبارها مناطق أكثر أمانًا للسفر.
هجمات مسيرة تستهدف منشآت النفط
وبالتزامن مع التطورات الأمنية في بنغازي، شهدت مدينة الزاوية، الواقعة على بعد نحو 48 كيلومترًا غرب طرابلس، موجة جديدة من التوتر، إثر هجمات متتالية بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية حيوية.
وجاءت هذه الهجمات بعد حادث خطير استهدف خزانًا للوقود في البريقة، كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من الوقود، حيث اندلعت النيران فيه طوال الليل قبل أن ينهار لاحقًا.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة تحليق طائرات مسيرة في محيط المجمع النفطي بالزاوية، مع تسجيل ضربات قرب خزانات التخزين وخطوط الأنابيب ومنشأة مزج النفط، إلى جانب استهداف محطة لتحلية المياه.
وعثر في موقع الهجمات على أجزاء يُعتقد أنها تعود إلى طائرات مسيرة صغيرة، فيما أفاد أحد السكان بالعثور على كابل ألياف بصرية فوق أحد المباني يمتد في اتجاه مصفاة الزاوية، مما أثار احتمال استخدام طائرات مسيرة موجهة عبر الألياف البصرية لتفادي وسائل التشويش الإلكتروني.
وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار استهداف المنشآت قد يضطرها إلى وقف عملياتها وإعلان حالة القوة القاهرة.
وتكتسب مصفاة الزاوية أهمية استراتيجية، كونها أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 120 ألف برميل يوميًا، كما ترتبط بحقل الشرارة النفطي، مما يجعل أي اضطراب في عملياتها تهديدًا لإمدادات الوقود في طرابلس وغرب البلاد.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا عن الهجمات، في وقت تشهد فيه الزاوية توترات متصاعدة بين قوات موالية لسلطات طرابلس وتشكيلات مسلحة محلية مرتبطة بمحمد بحرون، المعروف باسم “الفار”.
كما شهدت المنطقة المحيطة بالمصفاة خلال العام الحالي اشتباكات متكررة بين فصائل مسلحة متنافسة تسعى إلى تعزيز نفوذها والسيطرة على المواقع الحيوية في المدينة.
الدبيبة يتوعد بمحاسبة المسؤولين
وفي أعقاب الهجمات، وصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة استهداف المنشآت النفطية والصناعية بالطائرات المسيرة بأنه “جريمة خطيرة” وتهديد مباشر لأرواح المواطنين وثروات البلاد.
وقال الدبيبة، في كلمة مساء الثلاثاء، إن استهداف مقدرات الليبيين يمثل خطًا لا يمكن السماح بتجاوزه، مؤكدًا أن الهجمات على المنشآت الحيوية عمل منظم وخطير يستوجب ردًا حازمًا.

وأوضح أن الجهات المختصة بدأت التحقيق لتحديد مصدر الطائرات المسيرة، وكشف هوية كل من خطط أو أصدر الأوامر أو نفذ أو شارك في الهجمات، متعهدًا بمحاسبة المسؤولين عنها دون اعتبار للصفة أو الموقع أو النفوذ.
استقالة محافظ المركزي تهز الأسواق
ولم تقتصر التطورات على الملفين الأمني والنفطي، إذ امتدت تداعيات الأزمة إلى الوضع النقدي، بعدما تقدم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بطلب إلى رئيسي مجلسي النواب والدولة للاعتذار عن الاستمرار في منصبه، دون الكشف عن أسباب قراره.
وتزامن ذلك مع تراجع حاد في قيمة الدينار الليبي أمام الدولار، إذ تجاوز سعر العملة الأمريكية حاجز 9 دنانير في السوق الموازية، وسط تصاعد المخاوف في الأسواق بشأن مستقبل السياسة النقدية والمالية في البلاد.
ويأتي تزامن هذه التطورات الأمنية والاقتصادية في وقت تشهد فيه ليبيا تحركات سياسية لإعادة توحيد مؤسسات الدولة، مما يضيف مزيدًا من الضغوط على المشهد الليبي الذي يعاني منذ سنوات انقسامًا سياسيًا وأمنيًا ومؤسسيًا.



