بين مأزق إيران وضغوط الاقتصاد.. أزمات تهدد الجمهوريين وإرث ترامب
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مأزقًا سياسيًا متزايدًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، في ظل ضغوط متزامنة على جبهتي السياسة الخارجية والاقتصاد، قد تلحق ضررًا بالحزب الجمهوري وتترك آثارًا عميقة على إرثه خلال ولايته الثانية، وفقًا لشبكة «سي إن إن».
وتتمثل إحدى أبرز مشكلات ترامب في أنه وضع نفسه في موقف شديد الحساسية تجاه إيران، ربما لم يواجه رئيس أمريكي مثيلًا له منذ أزمة الرهائن في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر عامي 1979 و1980.
فبعد أن كانت إدارة ترامب تتوقع، قبل أسبوع فقط، التوصل إلى اتفاق يسمح بإعادة فتح مضيق هرمز، باتت طهران تفرض شروطًا أكثر صرامة، في تطور يعكس تحول المضيق إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية بيد إيران في مواجهة واشنطن.
وبالتزامن مع ذلك، يواجه ترامب أزمة داخلية منفصلة، وإن كانت مرتبطة بشكل مباشر بتداعيات المواجهة مع إيران، تتمثل في تأثير الحرب على أسعار الطاقة وتراجع ثقة الناخبين في الاقتصاد الأمريكي.
إيران تضغط على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي
تستعيد الأزمة الحالية، وفق «سي إن إن»، بعض أصداء أزمة الرهائن الإيرانية التي ألقت بظلالها على الانتخابات الأمريكية عام 1980، ففي ذلك الوقت، احتجزت إيران 52 أمريكيًا في طهران لمدة 444 يومًا، وتحولت الأزمة إلى عامل سياسي مؤثر على الرئيس جيمي كارتر، الذي خسر الانتخابات أمام رونالد ريجان.
أما اليوم، فلم تعد ورقة الضغط الإيرانية تتمثل في الرهائن، وإنما في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تصدير النفط في العالم، والذي أصبح مصيره مرتبطًا بشكل مباشر بالاقتصاد الأمريكي وأسعار الطاقة.
وترى الشبكة أن ذلك يمنح إيران ورقة ضغط مؤثرة خلال موسم انتخابي حساس، في وقت قد يغير فيه الناخبون الأمريكيون تقييمهم لأداء ترامب بناءً على الأوضاع الاقتصادية، تمامًا كما حدث مع كارتر.
وبحسب جمعية السيارات الأمريكية «AAA»، تجاوز متوسط أسعار البنزين على المستوى الوطني مجددًا حاجز 4 دولارات للجالون، في وقت يواجه فيه الأمريكيون أصلًا صعوبات متزايدة في تحمل تكاليف السكن والرعاية الصحية وغيرها من النفقات الأساسية.
وكان مسؤولون في إدارة ترامب قد أكدوا مرارًا أن الضغوط الاقتصادية ستتراجع سريعًا بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن هذه التصريحات قد تكون، paradoxically، عززت الموقف التفاوضي الإيراني، إذ دفعت طهران إلى تشديد مطالبها، بحسب التقرير.
وتشمل المطالب الإيرانية إنهاء الحصار البحري الأمريكي، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، والحصول على تعويضات عن الحرب، إلى جانب رفع العقوبات المفروضة على إيران.
وتبدو هذه المطالب بعيدة عن صفقة يمكن لترامب قبولها بسهولة، ما يفتح الباب أمام احتمال أن تكون طهران قد رفعت سقف مطالبها إلى الحد الأقصى لتحسين موقفها التفاوضي.
لكن أمام ترامب خيارات محدودة؛ فإذا فقد صبره وأعاد إشعال الحرب، فقد يجد نفسه أمام صراع أكثر حدة وأقل شعبية، مع تداعيات اقتصادية يمكن أن تكون أشد وطأة على الناخب الأمريكي.
ترامب يحاول شراء الوقت
وفي محاولة لاستعادة زمام المبادرة، قال ترامب لموقع «أكسيوس» إنه ينتظر حاليًا ظهور التأثير الاقتصادي للحصار الأمريكي، وقال الرئيس الأمريكي، الأحد: «نحن نتعامل مع الأمر بهدوء، ونجري معهم مفاوضات جزئية فقط».
ويعكس هذا الموقف محاولة من ترامب لتجنب اتخاذ قرار متسرع، في وقت تراهن فيه الإدارة على أن التفوق الاقتصادي الأمريكي وقدرة الولايات المتحدة على تحمل تداعيات الأزمة قد يجبران إيران في نهاية المطاف على التراجع.
وبحسب التقرير، فإن ترامب يراهن، بعد الضربات الجوية التي شنها العام الماضي والتي ألحقت أضرارًا بالجيش الإيراني وأعاقت برنامجه النووي واستهدفت قاعدته الصناعية الدفاعية، على أن الاقتصاد الأمريكي الأكثر قوة سيمنحه الوقت الكافي للخروج من مأزقه الاستراتيجي.
ويرى محللون أن إيران قد تكون أكثر استعدادًا لتحمل المعاناة الاقتصادية التي تلحق بشعبها، في ظل رؤية قيادتها للصراع مع الولايات المتحدة باعتباره مواجهة وجودية.
وقد يؤدي استمرار الضغط إلى إضعاف النظام الإيراني، لكن انهياره، بحسب التقييم الوارد في التقرير، يبدو مستبعدًا في ظل الأفق السياسي القصير لترامب واقتراب انتخابات التجديد النصفي.
أزمة الاقتصاد تضاعف الضغوط على ترامب
في الداخل، لا تبدو الصورة أفضل بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي، فارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب يزيد من تدهور نظرة الناخبين إلى الاقتصاد، ويدفع ترامب إلى حلقة سياسية مفرغة، إذ يبحث الرئيس ومسؤولوه باستمرار في البيانات الاقتصادية عن مؤشرات إيجابية، بينما يرى الناخبون في حياتهم اليومية ارتفاع الأسعار وصعوبة المعيشة.
وجاء تقرير الوظائف الصادر الجمعة في توقيت بالغ السوء بالنسبة إلى الجمهوريين، مع اقتراب انتخابات نوفمبر.
وأظهرت البيانات الرسمية أن الاقتصاد الأمريكي فقد 23 ألف وظيفة خلال يوليو، في ضربة جديدة للبيت الأبيض وللحملات الجمهورية الساعية إلى الحفاظ على مواقعها في انتخابات التجديد النصفي، فضلًا عن كونها أخبارًا سيئة لملايين الأمريكيين الباحثين عن عمل.
ومع ذلك، تصر إدارة ترامب على أن الاقتصاد لا يزال يتمتع بمرونة قوية.
وقال كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، في مقابلة مع جيك تابر على «سي إن إن»، إن «خلاصة القول، إذا نظرنا إلى الاقتصاد ككل، فسنجد أنه مزدهر للغاية».
وعزا هاسيت تراجع الوظائف في يوليو إلى انتهاء العمل المؤقت المرتبط بنهائيات كأس العالم، إلى جانب إجازة المعلمين خلال شهر يوليو، مؤكدًا أن الاقتصاد لا يزال يخلق وظائف ذات جودة عالية، وأن الأسعار تتجه نحو الاعتدال.
لكن المشكلة بالنسبة إلى ترامب لا تتعلق بالأرقام وحدها، وإنما بالفجوة بين الصورة التي ترسمها الإدارة للاقتصاد وبين التجربة اليومية للمواطنين، فارتفاع أسعار الغذاء والسكن، إلى جانب عدم مواكبة الأجور لهذه الزيادات، يجعل غالبية الأمريكيين غير قادرين على الشعور بما يصفه ترامب بأنه «عصر ذهبي» اقتصادي.
ترامب يبدو منفصلا عن الأزمة
ومع تدهور الوضع السياسي للجمهوريين، تبدو صورة ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع وكأنها لا تعكس حجم الضغوط التي تواجه إدارته، فبدلًا من التركيز على الأزمات السياسية والاقتصادية، نشر ترامب سلسلة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت صورة جمعته بأسطورة الجولف الجنوب أفريقي غاري بلاير، وصورة أخرى لأعمال نحت مساحة خضراء جديدة في أحد ملاعبه.
كما نشر منشورات حول مهبط طائرات مسيّرة مستقبلي في قاعة الرقص المقترحة بالبيت الأبيض، وتجديد بركة المياه العاكسة، إلى جانب صور لتمثالين في واشنطن طُليا حديثًا بطلاء ذهبي لامع، وذهب ترامب أيضًا إلى حد الادعاء بأنه قضى على التضخم.
وترى «سي إن إن» أن هذه المنشورات قد تعطي انطباعًا عن رئيس منشغل بترك إرث مادي ومشروعات عمرانية، أكثر من كونه رئيسًا يواجه أزمة سياسية واقتصادية متفاقمة ويبحث عن حلول لمشكلات الناخبين.
انتصار سياسي لترامب.. لكن الجمهوريين يتراجعون
شهدت عطلة نهاية الأسبوع أيضًا انتصارًا سياسيًا لترامب، بعدما صادق مجلس الشيوخ، وبأغلبية ضئيلة، على تعيين محاميه الشخصي السابق تود بلانش وزيرًا للعدل الأمريكي، إلا أن هذا الانتصار قد يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى ترامب شخصيًا منه بالنسبة إلى الناخبين.
وفي المقابل، غادر الجمهوريون واشنطن بعدما تأكد أن مشروع قانون يضعه ترامب ضمن أولوياته القصوى لتقييد التصويت لن يمر، في تطور يمثل انتكاسة جديدة للرئيس.
ولم يتوقف شهر أغسطس الصعب بالنسبة إلى ترامب عند حدود الداخل، إذ واجه أيضًا انتكاسة في الخارج بعدما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة لنزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة، وهي الخطة التي كان من المفترض أن تمثل انتصارًا سياسيًا آخر للإدارة الأمريكية.
هل يمنح الديمقراطيون ترامب فرصة للنجاة؟
عادة ما تمثل مثل هذه الأزمات مشكلة للرؤساء الذين يخوض حزبهم انتخابات التجديد النصفي، وبحسب آرون بليك من «سي إن إن»، أظهرت استطلاعات رأي متعددة أن ترامب ربما خسر بالفعل الميزة التقليدية التي كان الجمهوريون يتمتعون بها في قضيتين رئيسيتين: الأمن القومي والاقتصاد.
وكان خروج ترامب عن المألوف يمثل دائمًا أحد مصادر قوته السياسية، خصوصًا خلال حملتي 2016 و2024، عندما قدم نفسه بوصفه مرشحًا من خارج المؤسسة السياسية.
لكن الوضع تغير الآن، فترامب أصبح جزءًا من المؤسسة السياسية نفسها، وعندما اضطر في السابق إلى الدفاع عن سجله الرئاسي خلال انتخابات 2018 و2020، لم تكن النتائج في صالحه، إذ تعرض الجمهوريون لخسائر كبيرة، ورغم ذلك، يرفض ترامب الاعتراف بحجم الغضب الشعبي تجاهه.
وقال لشبكة «بانشبول نيوز» الأسبوع الماضي: «إنهم ليسوا غاضبين مني، بل غاضبون من الجمهوريين».
الديمقراطيون قد ينقذون ترامب من خلال أخطائهم
في المقابل، ربما يكون الديمقراطيون قد منحوا ترامب فرصة سياسية غير متوقعة خلال الأسابيع الأخيرة، فصعود المرشحين التقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية يغذي رواية ترامب التي يتهم فيها الحزب الديمقراطي بالانجراف نحو اليسار المتطرف.
وترى «سي إن إن» أن الديمقراطيين قد يكررون خطأ الجمهوريين خلال صعود حركة حزب الشاي في وقت سابق من هذا القرن، عندما أدى ترشيح شخصيات شديدة المحافظة إلى خسارة مقاعد كان من الممكن الفوز بها، خصوصًا أمام الناخبين المعتدلين في الضواحي، الذين غالبًا ما يحسمون الانتخابات.
لكن التقدميين يرفضون هذه القراءة، ويرون أن الاضطراب السياسي الحالي يمكن أن يخلق فرصة للوصول إلى ناخبين لا يرفضون ترامب فحسب، وإنما فقدوا الثقة أيضًا في المؤسسة الديمقراطية المعتدلة.
ويستند هؤلاء إلى إخفاق الحملات الانتخابية لكل من جو بايدن وكامالا هاريس، والذي انتهى بعودة ترامب إلى البيت الأبيض.
عبد الرحمن السيد يركز على الاقتصاد في مواجهة ترامب
وفي ولاية ميشيجان، ركز عبد الرحمن السيد، المرشح التقدمي الديمقراطي لمجلس الشيوخ، على نقاط ضعف ترامب الاقتصادية، في محاولة للانتقال من أجواء الانتخابات التمهيدية الحادة إلى معركة الانتخابات العامة في ولاية قد تكون حاسمة في تحديد الحزب الذي سيسيطر على مجلس الشيوخ.
وقال عبد الرحمن السيد، في مقابلة مع جيك تابر ضمن برنامج «حالة الاتحاد» على «سي إن إن»، إن الخلافات بينه وبين خصومه السياسيين أقل بكثير من أوجه التشابه التي تجمعهم، وعلى رأسها مواجهة ترامب وما وصفه باستغلال الرئيس سلطته لمصلحته الشخصية وتحسين الأوضاع المالية لعائلته بدلًا من تحسين أوضاع العائلات الأمريكية.
ويأتي ذلك في وقت يحاول فيه الديمقراطيون تحويل الملف الاقتصادي إلى سلاح انتخابي ضد ترامب، مستفيدين من ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار المخاوف بشأن الوظائف والأسعار.
الاقتصاد.. الفخ الذي أسقط رؤساء سابقين
وترى «سي إن إن» أن صياغة رسالة اقتصادية مقنعة للناخبين من أصعب المهام في السياسة الأمريكية، فقد ساهمت الرسائل الاقتصادية غير المقنعة في هزيمة حملة المرشح الجمهوري جون ماكين في انتخابات 2008، كما لعب الاقتصاد دورًا في خسائر الديمقراطيين خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2010 في عهد الرئيس باراك أوباما، وكذلك في فشل حملة بايدن وهاريس في انتخابات 2024.
ولهذا، وبحسب سي إن إن، فإن المشكلة التي يواجهها ترامب لا تتمثل فقط في انخفاض أرقام الوظائف أو ارتفاع أسعار الوقود، وإنما في وجود فجوة متزايدة بين ما تقوله الإدارة عن الاقتصاد وما يشعر به المواطنون، فالبيت الأبيض يصر على أن الاقتصاد «مزدهر»، بينما يرى الناخب الأمريكي ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والرعاية الصحية والطاقة، ويجد صعوبة في رؤية التحسن الذي تتحدث عنه الإدارة.
ترامب: الحرب ستنتهي.. لكن الخطة النهائية غامضة
وبينما يحاول ترامب إظهار الثقة في قدرته على تجاوز الأزمة، قال لموقع «أكسيوس» إن الحرب «ستنتهي. دائمًا ما تنتهي. إنها أشبه بلعبة شطرنج»، لكن المشكلة الأساسية، بحسب «سي إن إن»، أن الخطة النهائية لترامب بشأن إيران، بل وحتى رؤيته الأوسع لإنهاء الصراع، لا تزال غير واضحة.
وبذلك يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إيران تملك ورقة ضغط استراتيجية تتمثل في مضيق هرمز، والاقتصاد الأمريكي يتعرض لضغوط من ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع الوظائف، بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي التي قد تحدد مستقبل الأغلبية الجمهورية في الكونجرس، وإذا تمكن ترامب من إعادة فتح المضيق واحتواء تداعيات الحرب، فقد يحصل على فرصة لاستعادة ثقة الناخبين وتعزيز إرثه السياسي.
أما إذا طال أمد الأزمة أو تحولت إلى مواجهة عسكرية جديدة، فقد يجد نفسه أمام أزمة اقتصادية وسياسية يصعب احتواؤها، خصوصًا إذا بدأ الناخبون في ربط ارتفاع الأسعار وتراجع الوظائف بسياساته الخارجية.
وفي كلتا الحالتين، بحسب شبكة سي إن إن، تبدو إيران والاقتصاد الأمريكي عاملين حاسمين في تحديد ما إذا كان ترامب سيتمكن من الحفاظ على نفوذه السياسي خلال النصف الثاني من ولايته، أم أن انتخابات نوفمبر ستتحول إلى اختبار صعب لإرثه وحزبه الجمهوري.



