عاجل

خبير : القضاء على العشوائيات والتصالح أعادا تنظيم العمران|خاص

العشوائيات
العشوائيات

أكد الدكتور عبد المجيد كاطو، الخبير العقاري، أن ما نفذته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في ملف تطوير المناطق العشوائية والقضاء على المناطق غير الآمنة يمثل خطوة استراتيجية مهمة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا العمرانية تعقيدًا، مشيرًا إلى أن ظهور العشوائيات كان نتيجة تراكمات استمرت لعقود، بسبب تركز الاستثمارات والخدمات وفرص العمل في عدد محدود من المدن الرئيسية.

التوسع السكاني رفع الطلب على الوحدات السكنية 

وأوضح كاطو، في تصريحات خاصة أن العشوائيات لم تظهر بشكل مفاجئ، وإنما جاءت نتيجة للهجرة الداخلية من المحافظات والمناطق الأقل حظًا إلى القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن الكبرى، بحثًا عن فرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية وتحسين مستوى المعيشة، وهو ما أدى إلى ضغوط سكانية كبيرة على تلك المدن.

وأضاف أن هذا التوسع السكاني رفع الطلب على الوحدات السكنية بصورة تجاوزت في بعض الفترات قدرات الدولة، خاصة في قطاع الإسكان المخصص لمحدودي ومتوسطي الدخل، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب وأسهم في ظهور العديد من المناطق العشوائية وغير المخططة.

وأشار الخبير العقاري إلى أن الدولة بدأت خلال السنوات الأخيرة التعامل مع هذه المشكلة من خلال حزمة من الإجراءات التشريعية والتنظيمية، كان من أبرزها إصدار قوانين التصالح على بعض مخالفات البناء، بهدف تقنين الأوضاع القائمة ووضع إطار قانوني يعالج الأخطاء المتراكمة التي حدثت على مدار سنوات طويلة.

وأكد أن ملف التصالح في مخالفات البناء يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم السوق العقارية وتصحيح الأوضاع العمرانية، لكنه أشار إلى أن التطبيق العملي للقانون واجه بعض التحديات، نتيجة تعدد الجهات المعنية بإصدار الموافقات، مثل الحماية المدنية والآثار وغيرها من الجهات المختصة بفحص ملفات التصالح.

وأوضح أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة للوصول إلى صيغة نهائية تنهي هذا الملف بصورة كاملة، بما يضمن استقرار السوق العقارية وإعادة الانضباط إلى منظومة البناء والتشييد، مشددًا على أهمية وجود آليات تنفيذ أكثر مرونة وواقعية تساعد المواطنين على إنهاء إجراءات التصالح بسهولة ودون تعقيدات.

العشوائيات لم تعد تقتصر على المناطق الشعبية أو الأطراف العمرانية 

ولفت كاطو إلى أن العشوائيات لم تعد تقتصر على المناطق الشعبية أو الأطراف العمرانية فقط، بل امتدت في بعض الفترات إلى مناطق راقية نتيجة انتشار مخالفات البناء والتوسع غير المنظم، موضحًا أن بعض المناطق شهدت تجاوزات تتعلق بزيادة الارتفاعات أو الكثافات السكانية أو تغيير استخدامات المباني بالمخالفة للتراخيص، وهو ما تسبب في ضغوط كبيرة على البنية التحتية والخدمات العامة.

وشدد على أن احترام القانون والالتزام بالاشتراطات البنائية يمثلان حجر الأساس في بناء مدن منظمة وقادرة على استيعاب النمو السكاني بصورة سليمة، مؤكدًا أن العقار يعد مرآة تعكس مستوى التقدم الحضاري لأي دولة.

وأضاف أن مواجهة العشوائيات لا تقتصر على إزالة المباني المخالفة أو تقنين الأوضاع فقط، وإنما تشمل أيضًا توفير بدائل حضارية وآمنة للسكان، وهو ما نجحت الدولة في تحقيقه من خلال تنفيذ عدد كبير من المشروعات السكنية الجديدة ونقل سكان المناطق الخطرة إلى مجتمعات عمرانية متكاملة.

وأشار إلى أن الدولة تحملت أعباء مالية ضخمة لتنفيذ هذه المشروعات، إلا أن هذه التكلفة كانت ضرورية لتجنب أزمات أكبر كان يمكن أن تواجهها الدولة مستقبلاً إذا استمر التوسع العشوائي دون تدخل حاسم، موضحًا أن نقل سكان المناطق غير الآمنة إلى مشروعات سكنية حديثة مزودة بالخدمات والمرافق المختلفة ساهم في تحسين جودة الحياة ورفع مستوى المعيشة، كما وفر بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا للأسر.

التجربة العمرانية المصرية يجب أن تستفيد من دروس الماضي

وأكد كاطو أن ما تحقق في هذا الملف يمثل خطوة مهمة ضمن مسار طويل لإعادة تنظيم العمران المصري، موضحًا أن النجاح الحقيقي لا يقتصر على إنشاء الوحدات السكنية، وإنما يمتد إلى بناء مجتمعات متكاملة تراعي مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وأشار إلى أن التجربة العمرانية المصرية يجب أن تستفيد من دروس الماضي، خاصة فيما يتعلق بالالتزام بمعايير التخطيط السليم واحترام القوانين المنظمة للبناء، لافتًا إلى أن المدن التاريخية المصرية قدمت نماذج عمرانية متميزة لا تزال قائمة حتى اليوم بفضل جودة التخطيط والتنفيذ، وأن العمارة الخديوية تمثل نموذجًا بارزًا لهذا النهج، حيث راعت العوامل البيئية والمناخية والاجتماعية والثقافية، وهو ما منحها القدرة على الاستمرار والحفاظ على قيمتها المعمارية والتراثية.

وأضاف أن بعض المباني التي أُنشئت خلال العقود الأخيرة افتقدت إلى هوية عمرانية واضحة نتيجة التأثر بأنماط معمارية مستوردة لا تتوافق بالضرورة مع البيئة المصرية أو الخصائص المناخية والاجتماعية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى ظهور أنماط عمرانية غير متجانسة.

واختتم الخبير العقاري تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل التنمية العمرانية في مصر يجب أن يقوم على أسس علمية واضحة تراعي أحدث التطورات في مجال البناء والتشييد، بما في ذلك مفاهيم العمارة المستدامة والمدن الذكية والحلول التكنولوجية الحديثة، مشددًا على أن نجاح أي مشروع عمراني يعتمد على تكامل عناصر التصميم الهندسي الجيد، وجودة التنفيذ، والالتزام بالقوانين المنظمة، وتوفير البنية التحتية والخدمات، مع مراعاة الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية لضمان بناء مجتمعات عمرانية مستدامة.

تم نسخ الرابط