عاجل

صراع خفي داخل إيران.. انقسام حول إنهاء الحرب رغم التصعيد

القيادة الإيرانية
القيادة الإيرانية

رغم استمرار التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجر الأحد إلغاء الهجوم الأمريكي الذي كان مخططًا له ضد إيران، تكشف التطورات داخل طهران عن صراع سياسي متصاعد بين أجنحة النظام بشأن كيفية إدارة الحرب وإنهائها، وسط تنافس محتدم على شكل السلطة في مرحلة ما بعد الصراع.

ووفقًا لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن القيادة الإيرانية تبدو موحدة في العلن، بينما تشهد في الكواليس خلافات حادة بين تيارين رئيسيين، أحدهما يدفع نحو مواصلة المواجهة العسكرية، والآخر يرى أن الحرب يجب أن تُستثمر لتحقيق مكاسب سياسية عبر التفاوض مع واشنطن.

انقسام حول إنهاء الحرب في إيران

ويقود التيار المتشدد أعضاء حركة "بايداري" (الاستقرار)، وهم من أبرز المعارضين لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة، إذ يدعون إلى تحقيق ما يصفونه بـ"النصر العسكري الكامل"، ويطالبون بتشديد الرقابة الدينية والاجتماعية داخل البلاد، معتبرين أن أي تسوية مع واشنطن تمثل تنازلًا عن مبادئ الجمهورية الإسلامية.

في المقابل، يتبنى التيار المعتدل، الذي يمثله الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، رؤية مختلفة تقوم على استخدام الضغط العسكري كورقة تفاوضية لانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة، مع إدراكهما للكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتحملها إيران نتيجة استمرار الحرب، فضلا عن الحاجة إلى قدر أكبر من المرونة في التعامل مع التغيرات داخل المجتمع الإيراني.

ونقلت الصحيفة عن مهدي محمدي، مستشار قاليباف، قوله إن "المفاوضات أداة سياسية مكملة للعمل العسكري، هدفها دفع العدو إلى نقطة الإكراه وانتزاع تنازلات حقيقية منه"، في إشارة إلى أن الخيار العسكري لا يتعارض مع المسار الدبلوماسي بل يخدمه.

ويعكس هذا الانقسام، بحسب التقرير، صراعًا مبكرًا على النفوذ في "اليوم التالي للحرب"، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بموقع المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي أفادت تقارير بإصابته خلال الهجوم الذي أدى إلى مقتل والده المرشد السابق علي خامنئي في 28 فبراير الماضي. 

ويحاول كل من التيارين إظهار نفسه باعتباره الأقرب إلى توجهات المرشد الجديد، الذي لا يزال بعيدًا عن الظهور العلني.

وكان التيار المعتدل قد نجح، بدعم من بيزشكيان وقاليباف، في تمرير اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة خلال أبريل الماضي داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حيث أيده 12 عضوًا من أصل 13، بمن فيهم قيادات بارزة في الحرس الثوري والجيش، بينما كان سعيد جليلي، أحد أبرز رموز التيار المتشدد وحركة "بايداري"، العضو الوحيد الذي صوّت ضده.

لكن الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ انهار وقف إطلاق النار واستؤنف تبادل الضربات بين واشنطن وطهران، في وقت تصاعد فيه الاستياء داخل إيران بسبب عدم تنفيذ الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة خلال يونيو الماضي.

وبحسب التقرير، استغل التيار المتشدد مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي لتحويلها إلى استعراض سياسي، حيث رفعت الحشود شعارات تدعو إلى الانتقام من الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أظهرت مقاطع مصورة استقبالًا حافلًا لسعيد جليلي، في حين تعرض الرئيس بازاخيان لهتافات معادية بينها "الموت للمساوم".

كما كثف المتشددون حملاتهم الإعلامية عبر التلفزيون الرسمي والتجمعات الجماهيرية الليلية، مؤكدين أن إيران تسير نحو "نصر كامل"، ومهاجمين كل من يدعو إلى التفاوض مع "أعداء الجمهورية الإسلامية"، وذكر التقرير أن التلفزيون الرسمي قاطع أكثر من مرة خطابات بازاخيان وقاليباف.

ورد الرئيس الإيراني وحلفاؤه باتهام هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية بتعميق الانقسام الداخلي خلال فترة الحرب، مؤكدين أنها تخلق انطباعًا مضللًا بوجود مواجهة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، كما اتهموا وسائل الإعلام الرسمية بممارسة الرقابة على تصريحات المسؤولين المعتدلين.

ونقلت الصحيفة عن ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، قوله إن أنصار سعيد جليلي، رغم كونهم أقلية، يتمتعون بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، مضيفًا أنهم "يمتلكون الكثير من المال والسلطة، ووظفوا أعدادًا كبيرة داخل الجهاز البيروقراطي، وأقاموا علاقات قوية مع الحرس الثوري".

ويرى التيار المعتدل أن الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية يتطلب معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، في ظل استمرار تراجع العملة الإيرانية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، معتبرًا أن أي اتفاق شامل مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام رفع العقوبات واستعادة مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.

وفي مؤشر على تنامي الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب، وقع أكثر من 250 نائبًا سابقًا ورجل دين وأستاذًا جامعيًا وشخصية عامة خلال يوليو الماضي عريضة تدعو إلى وقف الصراع، جاء فيها أن "الغالبية العظمى من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في العيش بكرامة".

كما حذر قيادي بارز في التيار الإصلاحي، شارك في حملة بازاخيان الرئاسية، من أن استمرار الحرب "يقوض التماسك الاجتماعي الداخلي"، بينما شنت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري هجومًا على التيار المعتدل واتهمته بالسعي إلى تقديم تنازلات.

ويخلص التقرير إلى أن الصراع الحقيقي داخل إيران لم يعد يقتصر على إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، بل امتد إلى التنافس على شكل النظام السياسي بعد الحرب، في ظل الغموض المحيط بدور مجتبى خامنئي، الذي يراه البعض أكثر تشددًا من والده، بينما يعتبره آخرون شخصية قد تقود إلى مسار أكثر اعتدالًا في المستقبل.

تم نسخ الرابط