دار الإفتاء ترصد أبرز تريندات الفتوى وتكشف أولويات الجمهور في القضايا المعاصرة
كشف المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في العدد (52) من نشرته الدورية "فتوى تريندز" عن شهر يونيو، عن تصدر النوازل الرقمية والطبية المشهد الإفتائي، مع استمرار ترسيخ المرجعية المؤسسية لدار الإفتاء في مواكبة المستجدات المعاصرة، ورصد أبرز اتجاهات الفتاوى والموضوعات الدينية الأكثر تداولًا على منصات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بهدف استشراف التحولات المؤثرة في الخطاب الإفتائي وقياس اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا المعاصرة.
وأوضح المؤشر أن ثقة الجمهور المصري في فتاوى دار الإفتاء المصرية والمؤسسات الدينية شهدت تزايدًا ملحوظًا، باعتبارها المرجعية الأكثر موثوقية في التعامل مع النوازل والقضايا المستجدة، وهو ما يعكس الاعتماد المتنامي على الخطاب الإفتائي المؤسسي القائم على الاجتهاد الجماعي والمنهجية العلمية الرصينة، كما أظهرت نتائج الرصد والتحليل أن اهتمام الجمهور لم يعد يقتصر على قضايا العبادات والمعاملات التقليدية، بل امتد إلى القضايا المرتبطة بالتحولات الرقمية والتقنية والاجتماعية، بما يؤكد أن الفتوى أصبحت شريكًا رئيسًا في توجيه السلوك المجتمعي ومواكبة التطورات المتسارعة.
ورصد العدد الجديد من "فتوى تريندز" تصدر قضايا النوازل الرقمية والاقتصاد الرقمي قائمة الأسئلة الشرعية الأكثر تداولًا، حيث برزت موضوعات المراهنات الإلكترونية، والربح من مقاهي الإنترنت والألعاب الإلكترونية، والزواج عبر الإنترنت، بما يعكس انتقال الإفتاء إلى معالجة القضايا التي أفرزها العصر الرقمي، ويبرز في هذا السياق الدور الاستباقي لدار الإفتاء في تقديم معالجات شرعية تجمع بين التأصيل الفقهي وفهم الواقع، بما يسهم في ضبط الممارسات الرقمية وحماية المجتمع من المخاطر الأخلاقية والاقتصادية والقانونية المرتبطة بها.
كما كشف المؤشر عن اهتمام متزايد بالقضايا الطبية ذات البعد الشرعي، حيث جاءت فتوى حكم تحديد نوع الجنين باستخدام الحقن المجهري ضمن أبرز التريندات، إلى جانب فتاوى سلامة الغذاء، وفي مقدمتها التحذير من استخدام بعض المضافات الغذائية المحظورة عالميًّا، بما يعكس قدرة دار الإفتاء على بناء خطاب إفتائي يجمع بين المعارف الطبية الحديثة والمقاصد الشرعية، ويؤكد أن الفتوى أصبحت أداة لتعزيز جودة الحياة وحماية الإنسان.
وأشار التقرير إلى أن فتوى فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، بشأن التحذير من محاكاة الصلاة والاستهزاء بها، تصدرت الموضوعات الأكثر تداولًا بنسبة (18%)، تلتها فتوى حكم قتل الكلاب الضالة بنسبة (17%)، ثم فتوى الربح من مقاهي الإنترنت والألعاب الإلكترونية بنسبة (13%)، فيما سجلت فتوى تحديد نوع الجنين بالحقن المجهري، وحكم الزواج عبر الإنترنت نسبة (10%) لكل منهما، كما برزت فتاوى تحريم استخدام المضافات الغذائية المحظورة عالميًّا بنسبة (12%)، ونشر الأعمال الخيرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة (8%)، وتحريم تريند تخويف الحيوانات بنسبة (7%)، بينما جاءت المراهنات الإلكترونية بنسبة (5%).
وأوضح المؤشر أن أحكام التحريم والمنع ارتبطت بطبيعة القضايا المتعلقة بحماية العقيدة وصيانة الشعائر وحفظ النفس والمجتمع من الممارسات الضارة، في مقابل حضور واضح للأحكام المقيدة بالجواز والتنظيم، بما يؤكد أن منهج دار الإفتاء يقوم على تحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، انطلاقًا من منظومة استدلال متكاملة تجمع بين النصوص الشرعية والقواعد الفقهية والمقاصد والاجتهاد المؤسسي الجماعي، بما يضمن تقديم فتاوى تراعي مآلات الأحكام ومتطلبات العصر.
وفي ملف القضايا الفكرية، رصد العدد تفاعلًا واسعًا مع الجدل المثار حول قصة "أصحاب الفيل"، مشيرًا إلى سرعة استجابة المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها دار الإفتاء، في تقديم معالجة علمية رصينة استندت إلى أصول التفسير وعلوم القرآن، بما أسهم في تفنيد الشبهات والرد المنهجي على حملات التشكيك، وعزز حضور المرجعية الدينية الوسطية في الفضاء الرقمي، ورسخ ثقة الجمهور في المؤسسات العلمية المتخصصة.
وعلى المستوى العربي والخليجي، أوضح المؤشر أن تريندات الموضوعات استحوذت على (65%) من إجمالي المحتوى المرصود، مقابل (35%) لتريندات الفتاوى، بما يعكس تحول اهتمام الجمهور العربي إلى متابعة القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية ذات الامتداد الديني، حيث تصدرت ليبيا المشهد بنسبة (32%)، تلتها قطر بنسبة (23%)، ثم سوريا بنسبة (16%)، فيما سجلت السعودية (12%)، وتونس (6%)، إلى جانب تفاعل في الأردن والسودان مع عدد من القضايا الدينية والمجتمعية.

وعلى المستوى الدولي، أشار المؤشر إلى اتساع حضور القضايا الدينية في النقاشات العالمية من خلال ارتباطها بملفات مكافحة خطاب الكراهية والتطرف والتشريعات القانونية والإعلام الرقمي، مع بروز موضوعات تتعلق بمواجهة الإسلاموفوبيا، وتعزيز التعايش، والمبادرات المجتمعية للمؤسسات الإسلامية، بما يؤكد تنامي الدور المجتمعي للمؤسسات الدينية واتساع إسهامها في خدمة المجتمع إلى جانب دورها في الإرشاد الديني.
وفي ضوء نتائج الرصد والتحليل، أوصى المؤشر العالمي للفتوى بتعزيز الحضور الرقمي للمؤسسات الإفتائية من خلال إنتاج محتوى معرفي مبسط ومتعدد الوسائط يواكب طبيعة المنصات الرقمية، مع التركيز على القضايا الأكثر تداولًا، وفي مقدمتها الأسرة، والهوية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وخطاب الكراهية، إلى جانب توظيف أدوات الرصد والتحليل الرقمي لاستشراف القضايا المتوقع تصدرها للرأي العام، وإنشاء قواعد بيانات دورية للتريندات الإفتائية والشخصيات والمؤسسات الأكثر تأثيرًا، بما يدعم الدراسات المستقبلية وصناعة القرار.
كما أكد المؤشر أهمية تطوير برامج متخصصة لتأهيل المفتين والدعاة للتعامل مع القضايا متعددة التخصصات، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الأكاديمية والإعلامية ومراكز البحوث لإنتاج معالجات علمية وإعلامية تسهم في تصحيح المفاهيم والحد من انتشار الشائعات.



