عاجل

جدل في تونس بعد تهديد رئيس البرلمان بإحالة مصوري الجلسات إلى النيابة

تونس
تونس

أثار تهديد رئيس مجلس نواب الشعب التونسي، إبراهيم بودربالة، بإحالة كل من يقوم بالتصوير عبر الهاتف المحمول داخل قاعة الجلسة العامة إلى النيابة العامة ومحاكمته، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية والحقوقية في تونس، وسط انقسام بين من اعتبر القرار تضييقًا على الحريات وحرية العمل الصحفي، ومن رأى أنه خطوة ضرورية لإنهاء ما وصفه بـ"الاستعراض الإعلامي" داخل البرلمان.

وجاءت تصريحات بودربالة خلال حديثه عن تنظيم سير الجلسات العامة، حيث توعد بإحالة أي شخص يقوم بالتصوير داخل القاعة إلى النيابة العامة، وهو ما أثار ردود فعل متباينة، خصوصًا أن الصيغة التي استخدمها شملت "كل من" يقوم بالتصوير، دون قصرها على النواب.

وانتقدت القاضية التونسية كلثوم كنو تصريحات رئيس البرلمان، متسائلة عن الأساس القانوني الذي يمنحه سلطة إحالة الأشخاص إلى النيابة العامة.

وقالت كنو، في تدوينة نشرتها عبر حسابها على موقع "فيسبوك": "منذ متى أصبح لرئيس مجلس النواب سلطة الإحالة إلى النيابة العامة؟.. عُدت إلى البند العاشر من مجلة الإجراءات الجزائية، ولم أجد أي تعديل فيها يجعل رئيس البرلمان يتمتع بهذه السلطة".

ورأت أن تصريحات بودربالة تثير تساؤلات قانونية حول حدود صلاحيات رئيس مجلس النواب، وما إذا كان يملك بالفعل الحق في اتخاذ مثل هذا الإجراء.

ردود الفعل على القرار 

من جهتها، اعتبرت الإعلامية التونسية جيهان اللواتي أن تصريحات رئيس البرلمان تتجاوز مجرد تنظيم سير الجلسات، وتحمل أبعادًا قانونية وسياسية خطيرة.

وقالت، في تدوينة عبر "فيسبوك"، إن العبارات التي استخدمها بودربالة "قد تبدو مجرد توجيه تنظيمي يتعلق بسير الجلسة، لكنها في الحقيقة تحمل دلالات قانونية وسياسية خطيرة، لأنها لا تكتفي بمنع التصوير، بل تنتقل مباشرة إلى التهديد بالإحالة إلى النيابة العامة".

وأضافت أن رئيس البرلمان لم يحدد أن القرار يقتصر على النواب، وإنما استخدم عبارة "كل من"، وهي صياغة، بحسب تعبيرها، ليست مجرد تفصيل لغوي، وإنما تفتح الباب أمام شمول الإجراء لجميع الموجودين داخل قاعة الجلسات، بمن فيهم الصحفيون والمصورون ومراسلو وسائل الإعلام المعتمدون لتغطية أعمال البرلمان.

وأكدت اللواتي أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن هذا التهديد قد ينعكس على حرية الصحافة، معتبرة أن "هيبة البرلمان لا تُبنى بمنع التصوير، ولا بالتهديد بالإحالة إلى النيابة العامة، وإنما تُبنى بالشفافية، واحترام علنية الجلسات، وضمان حرية الصحافة في ممارسة دورها الرقابي".

وفي السياق ذاته، رأى الناشط السياسي فوزي جاب الله أن القرار يأتي في توقيت شهد تصاعدًا في حدة الانتقادات الصادرة عن بعض النواب تجاه السلطة.

وقال في تدوينة عبر "فيسبوك": "منع نواب المجلس النيابي الحالي من تصوير مداخلاتهم ونشرها، رغم أنهم أصلًا من أنصار السلطة الحالية، وتهديدهم بتدخل النيابة العامة... هذا بعد أن تصاعدت الكلمات النارية ضد السلطة من بعضهم مؤخرًا".

واعتبر جاب الله أن القرار قد يكون مرتبطًا بتصريحات أدلى بها بعض النواب خلال جلسة مناقشة أسباب انقطاع المياه والكهرباء، والتي تضمنت انتقادات حادة للسلطة.

في المقابل، لقي قرار رئيس البرلمان ترحيبًا من عدد من الناشطين، الذين رأوا أنه يضع حدًا لما وصفوه بتحويل الجلسات البرلمانية إلى منصة لصناعة المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت ناشطة المجتمع المدني هاجر إدريس إن القرار "إيجابي"، رغم أنه جاء متأخرًا.

وأضافت، في تدوينة على "فيسبوك": "قرار متأخر قليلًا لرئيس مجلس النواب إبراهيم بودربالة، ولكنه عين الصواب، لأننا أصبحنا نرى استعراض عضلات من بعض النواب".

وأوضحت أن المواطن، في رأيها، لم يعد بحاجة إلى مشاهدة مقاطع فيديو تتضمن خطابات أو مساءلات برلمانية، بل ينتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع، ويريد رؤية أداء النائب الذي انتخبه في تحسين أوضاع المواطنين.

كما أيد ناشط المجتمع المدني خليل قنطارة القرار، معتبرًا أنه يضع حدًا لما وصفه بتحول بعض النواب إلى "صناع محتوى".

وقال في تدوينة عبر "فيسبوك": "أول مرة أفرح لاتخاذ قرار"، مضيفًا أن القرار سيؤدي إلى التخلي عن عادة تحول النواب إلى "محاربين أمام كاميرات هواتفهم".

وأضاف قنطارة: "لستم صنّاع محتوى، بل يجب أن تكونوا صنّاع تحسين حياة المواطن وصنّاع حلول لمشكلاته".

ورغم دعمه للقرار، أشار إلى أنه جاء متأخرًا، معتبرًا أنه يعكس محاولة لمعاقبة بعض النواب الذين وجهوا انتقادات شديدة للسلطة خلال جلسة مناقشة أسباب انقطاع المياه والكهرباء.

ويعكس الجدل الدائر حول تصريحات رئيس البرلمان حالة الانقسام في تونس بين من يرى أن منع التصوير داخل الجلسات يمثل إجراءً تنظيميًا يهدف إلى الحفاظ على هيبة المؤسسة التشريعية وتركيز النواب على عملهم البرلماني، وبين من يعتبر أن التهديد بالإحالة إلى النيابة العامة يثير مخاوف بشأن حرية التعبير وحرية الصحافة وعلنية أعمال البرلمان، خاصة في ظل الجدل القانوني حول مدى امتلاك رئيس المجلس صلاحية اتخاذ مثل هذا الإجراء.

تم نسخ الرابط