عاجل

الحرب تكشف الأزمة.. لماذا السلاح الأمريكي باهظ الثمن؟

أرشيفية
أرشيفية

في ظل تصاعد تكاليف الحروب واستنزاف مخزونات الذخائر، تتجه الولايات المتحدة إلى مراجعة فلسفة إنتاج أسلحتها، مع التركيز على تطوير منظومات أقل تكلفة وأكثر قابلية للإنتاج بكميات كبيرة، لتلبية متطلبات الحروب الطويلة دون أعباء مالية متزايدة.

وقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث إن تكلفة الحرب الأمريكية في إيران بلغت نحو 37.5 مليار دولار، مشيرًا إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب طلبت من الكونجرس الموافقة على 87.6 مليار دولار كتمويل إضافي لتغطية ما وصفته بـ"الاحتياجات العاجلة" المرتبطة بالحرب، ودعم سياسة "تعزيز السلام من خلال القوة".

لماذا يعيد البنتاجون النظر في فلسفة إنتاج أسلحته باهظة الثمن؟

ويعزو خبراء ارتفاع تكلفة إنتاج السلاح الأمريكي إلى عدة عوامل، أبرزها الإنفاق الضخم على البحث والتطوير، والاعتماد على تقنيات متقدمة، وطول مراحل الاختبارات، وارتفاع أجور العمالة، إلى جانب محدودية الإنتاج وتعقيد نظام المشتريات العسكرية.

ويعد الإنفاق على البحث والتطوير أحد أكبر بنود التكلفة، إذ تُنفق وزارة الدفاع والشركات الدفاعية مليارات الدولارات على تصميم المنظومات العسكرية واختبارها قبل دخولها الخدمة. ويبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي PAC-3 MSE المستخدم ضمن منظومة "باتريوت" نحو 4 ملايين دولار، نتيجة احتوائه على أنظمة توجيه ورادارات ومستشعرات متطورة وقدرته على إصابة الهدف مباشرة دون رأس حربي تقليدي.

ووفقًا لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تبلغ تكلفة بطارية "باتريوت" الجديدة نحو 1.1 مليار دولار، منها حوالي 690 مليون دولار مخصصة للصواريخ الاعتراضية.

وأثارت هذه التكلفة نقاشًا داخل البنتاغون، بعدما أصبحت الولايات المتحدة تستخدم صواريخ مرتفعة الثمن لاعتراض طائرات مسيّرة وذخائر منخفضة التكلفة، وهو ما يفرض أعباء مالية كبيرة ويؤدي إلى استنزاف المخزونات بوتيرة أسرع من القدرة على تعويضها.

وينطبق الأمر ذاته على المقاتلة F-35، التي تُعد أكبر برنامج تسليح تعاوني في تاريخ وزارة الدفاع الأمريكية، إذ استغرق تطويرها سنوات طويلة من البحث والتصميم والاختبارات. ولتقليل التكاليف، شاركت ثماني دول حليفة في تمويل البرنامج مقابل الحصول على حصص صناعية وإتاحة الوصول إلى بعض التقنيات.

كما تعتمد المنظومات العسكرية الأمريكية على تقنيات معقدة، تشمل الرادارات النشطة، وأنظمة التخفي، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، والاتصالات المشفرة، وهي تقنيات تتطلب سنوات من التطوير وسلاسل توريد متخصصة.

ويشير مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية (GAO) إلى أن البرمجيات أصبحت عنصرًا أساسيًا في أنظمة التسليح الحديثة، إلا أن بطء تطويرها ودمجها مع المنظومات القتالية يؤدي إلى تأخير البرامج العسكرية وزيادة تكلفتها.

كما تخضع الأسلحة الأمريكية لسنوات من الاختبارات الجوية والبرية والبحرية، إلى جانب اختبارات الأداء والتحمل والسلامة، قبل اعتمادها للإنتاج الكامل. ووفقًا للمكتب، تجاوز متوسط الفترة اللازمة لتطوير وتسليم القدرات العسكرية في البرامج الكبرى 12 عامًا.

وتسهم تكلفة العمالة أيضًا في رفع أسعار الأسلحة، إذ تُعد أجور المهندسين والفنيين في الصناعات الدفاعية الأمريكية من الأعلى عالميًا، فضلًا عن نقص العمالة الفنية الماهرة، ما يدفع الشركات إلى تقديم حوافز ورواتب أعلى لاستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

ويزيد انخفاض حجم الإنتاج من تكلفة الوحدة الواحدة، إذ تُصنع معظم المقاتلات والصواريخ وفق طلبيات حكومية محدودة، ما يقلل من وفورات الإنتاج الضخم ويجعل تكاليف التطوير والمصانع تُوزع على عدد أقل من الوحدات.

وتفرض وزارة الدفاع الأمريكية أيضًا معايير جودة صارمة تشمل الاعتمادية في القتال، ومقاومة الظروف القاسية، والعمر التشغيلي، وهو ما يستلزم اختبارات إضافية ترفع تكاليف التصنيع.

إلى جانب ذلك، يرى خبراء أن نظام المشتريات الدفاعية الأمريكي، الذي يعتمد على مراحل متعددة من المراجعة الفنية والمالية والإدارية، يؤدي إلى إطالة زمن تطوير المنظومات العسكرية وارتفاع تكلفتها، خاصة مع تعديل متطلبات بعض البرامج أثناء التنفيذ.

ودفعت هذه التحديات شركات الصناعات الدفاعية إلى إعادة تقييم فلسفة الإنتاج. ففي هذا السياق، أعلنت شركة لوكهيد مارتن تطوير صاروخ اعتراضي جديد لمنظومة "باتريوت" تقل تكلفته إلى أقل من نصف سعر الصاروخ الحالي، عبر تبسيط بعض المكونات مرتفعة الثمن مع الحفاظ على قدرته في مواجهة التهديدات الجوية.

كما يشجع البنتاجون تطوير منظومات اعتراض منخفضة التكلفة لمواجهة الهجمات المكثفة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الرخيصة، بعدما أظهرت الحروب الحديثة أن الاعتماد على صواريخ باهظة الثمن في كل عملية اعتراض لم يعد نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا، وأطلق بالفعل برامج لتطوير جيل جديد من الصواريخ الاعتراضية الأقل تكلفة والأسرع إنتاجًا.

تم نسخ الرابط