عاجل

تشهد منطقة الخليج العربي واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، سواء عبر التهديدات المتكررة للملاحة في مضيق هرمز أو من خلال استمرار حضورها الإقليمي عبر حلفائها وجماعاتها المسلحة في عدد من الدول العربية. ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه الشرق الأوسط تحديات أمنية غير مسبوقة، ما يجعل أمن الخليج وأمن الطاقة العالمي في قلب معادلة الصراع الإقليمي والدولي. وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار المخاوف من تأثير أي تصعيد على الملاحة وإمدادات الطاقة، مع تكثيف الاتصالات الدولية والإقليمية لتجنب اتساع رقعة المواجهة.

ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ارتكزت السياسة الإقليمية الإيرانية على مبدأ توسيع النفوذ خارج الحدود، ليس فقط عبر الأدوات الدبلوماسية، وإنما أيضًا من خلال بناء شبكات من الحلفاء والجماعات المسلحة التي تمنح طهران أوراق ضغط متعددة دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. وقد ظهر ذلك في العراق عبر بعض الفصائل المسلحة، وفي لبنان من خلال حزب الله، وفي اليمن عبر جماعة الحوثي، إضافة إلى علاقات مع مجموعات أخرى في الإقليم. وتعد هذه الشبكات، وفق كثير من المحللين، جزءًا من استراتيجية الردع غير المباشر التي تمنح إيران قدرة على التأثير في مسار الأزمات الإقليمية.

ولا يمكن فصل التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز عن هذه الاستراتيجية. فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا تنظر إيران إلى هرمز باعتباره ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لرفع تكلفة أي مواجهة عسكرية أو عقوبات اقتصادية عليها، بينما تعتبره دول الخليج والمجتمع الدولي ممرًا حيويًا يجب أن تبقى حرية الملاحة فيه مصونة. وتشير تقارير حديثة إلى أن التوترات في هرمز أثرت بالفعل في حركة الشحن وأسواق الطاقة خلال الأشهر الأخيرة.

ويثور سؤال مهم: لماذا ترغب إيران في توسيع دائرة الصراع؟

التحليل الاستراتيجي يشير إلى عدة دوافع محتملة. أولها نقل الضغوط بعيدًا عن الداخل الإيراني، بحيث يتحول أي صراع من مواجهة تتركز داخل إيران إلى أزمة إقليمية واسعة تفرض على القوى الدولية إعادة حساباتها. وثانيها تعزيز أوراق التفاوض، إذ يمنح اتساع نطاق التوتر طهران أدوات إضافية عند أي مفاوضات تتعلق ببرنامجها النووي أو العقوبات أو ترتيبات الأمن الإقليمي. أما الدافع الثالث فيتمثل في محاولة الحفاظ على نفوذها الإقليمي، لأن تراجع نفوذ حلفائها في أي ساحة قد ينعكس على مكانتها الاستراتيجية في المنطقة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الأذرع المسلحة بالنسبة لإيران، فهي توفر لها القدرة على ممارسة الضغط في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، كما تمنحها هامشًا من الإنكار أو تقليل المسؤولية المباشرة عن بعض العمليات، وهو ما جعل العديد من القوى الإقليمية والدولية تعتبر ملف هذه الجماعات جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن استمرار هذا النهج يفرض تحديات أمنية متزايدة، تشمل حماية المنشآت النفطية، وتأمين الموانئ والممرات البحرية، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول مجلس التعاون الخليجي وشركائها الدوليين. وقد برز خلال الفترة الأخيرة اتجاه خليجي نحو تعزيز التنسيق الدفاعي المشترك والتأكيد على أن معالجة التهديدات الصاروخية وشبكات الوكلاء تمثل عنصرًا مهمًا لتحقيق استقرار دائم.

كما أن أمن الطاقة العالمي أصبح أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى باستقرار الخليج العربي. فكل تصعيد في مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين، بما يؤثر في الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي الكبير بالحفاظ على أمن الممرات البحرية.

أما بشأن نهاية هذه الجولة من الصدام، فإن السيناريوهات المحتملة يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسية.

الأول، استمرار سياسة الردع المتبادل، بحيث تستمر الضغوط العسكرية والسياسية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وهو سيناريو يراه كثير من المراقبين الأكثر ترجيحًا إذا نجحت قنوات الاتصال والدبلوماسية في احتواء التصعيد.

الثاني، اتساع دائرة المواجهة عبر زيادة نشاط الجماعات المسلحة أو استهداف الممرات البحرية بصورة أكبر، وهو ما قد يدفع إلى تدخلات إقليمية ودولية أوسع ويزيد من المخاطر على الاقتصاد العالمي.

أما السيناريو الثالث، فهو العودة إلى مسار التفاوض بعد مرحلة من التصعيد، إذ غالبًا ما تستخدم الأطراف في الشرق الأوسط التصعيد لتحسين شروط التفاوض قبل العودة إلى طاولة الحوار، خاصة في ظل إدراك الجميع أن الحرب المفتوحة ستكون ذات كلفة باهظة على جميع الأطراف. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المساعي الدبلوماسية لا تزال مستمرة رغم استمرار التوترات الميدانية.

وفي النهاية، يبقى الخليج العربي أحد أهم مراكز الثقل الاستراتيجي في العالم، ليس فقط لاحتياطياته الضخمة من الطاقة، وإنما أيضًا لموقعه الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. ومن ثم فإن أي محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة أو تهديد أمن الملاحة الدولية لن تكون أزمة إقليمية فحسب، بل قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي بأسره. وفي المقابل، فإن تعزيز التعاون الخليجي، وتطوير القدرات الدفاعية، والحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي، تبقى عناصر رئيسية لتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة والحفاظ على استقرار المنطقة.

تم نسخ الرابط