بخار المكواة وذكريات العمر.. "أم شريف" تواصل رحلة كفاحها بمحلها في العصافرة
في محل متواضع بأحد شوارع منطقة العصافرة شرق الإسكندرية، تقف جيهان، المعروفة بين أهالي المنطقة بـ"أم شريف"، خلف طاولة الكي منذ الساعات الأولى من الصباح.

ترتدي جلبابًا بسيطًا وتلف رأسها بإحكام، بينما تتحرك يداها بخفة فوق قطع الملابس المتراكمة، ويتصاعد بخار المكواة الساخنة فيملأ المكان بحرارة خانقة، وتتساقط قطرات العرق على وجهها، لكنها لا تتوقف، وكأنها اعتادت أن تحول التعب إلى جزء من يومها العادي.

على مدار سنوات طويلة، أصبح هذا المحل الصغير أكثر من مجرد مصدر رزق، وهنا عاشت أم شريف أجمل سنوات عمرها إلى جوار زوجها، وهنا أيضًا بدأت أصعب فصول حياتها بعد رحيله.

فالسيدة البالغة من العمر 59 عامًا لم تكن تتخيل يومًا أنها ستصبح المسؤولة الأولى عن الأسرة والعمل معًا، لكنها وجدت نفسها أمام اختبار لم يكن أمامها سوى النجاح فيه.
وتتذكر أم شريف بداياتها مع المهنة وهي تبتسم وسط انشغالها بكي إحدى القطع: "في الأول كنت بساعد جوزي بس، كنت بتعلم منه خطوة خطوة، لحد ما بقيت أعرف أسرار الشغل كلها".

لم يكن الزوج يمنحها المال بقدر ما كان يمنحها الخبرة والثقة، فتعلمت الكي والخياطة والتعامل مع الزبائن، وأصبحت شريكًا حقيقيًا في العمل قبل أن تصبح صاحبة المحل بعد وفاته.
وبعد رحيل الزوج، وجدت نفسها أمام مسؤولية ثقيلة، أبناء يحتاجون إلى مصروفات وتعليم وحياة مستقرة، ومحل لا بد أن يستمر.

ولم تلجأ إلى الشكوى أو انتظار المساعدة، بل فتحت باب المحل في اليوم التالي تقريبًا، وقررت أن تكمل الطريق بنفسها كانت تدرك أن ما تركه لها زوجها أثمن من أي ميراث مادي.
وتقول وهي ترتب الملابس بعناية: "لو كان سابلي فلوس كانت خلصت، لكن هو سابلي صنعة أعيش منها".

وتردف: بهذه القناعة واجهت السنوات الصعبة، وتحول المحل إلى سند حقيقي لي ولأسرتي، ومع الوقت عرفها أهالي المنطقة بجديتها وإتقانها للعمل، فزاد الإقبال على المحل وأصبح اسمها معروفًا بين الزبائن.

ورغم ساعات العمل الطويلة التي كانت تمتد لأكثر من عشر ساعات يوميًا، لم تسمح أم شريف للمهنة أن تنتقص من دورها داخل بيتها.
وتكمل لنيوزروم مفتخرة كنت أغادر المحل لبعض الوقت لإعداد الطعام ورعاية أبنائي، ثم أعود لاستكمال العمل حتى المساء، وبين مسؤوليات البيت ومتطلبات المهنة، نجحت في الحفاظ على التوازن الذي تراه سر نجاح أي أسرة.
وتؤمن أم شريف أن ما وصلت إليه لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تربية نشأت عليها منذ طفولتها، فقد شاهدت والدتها تقف إلى جوار والدها في مواجهة أعباء الحياة، فكبرت وهي ترى أن المشاركة بين الزوجين ليست خيارًا بل أسلوب حياة، لذلك لم تتردد يومًا في العمل إلى جانب زوجها، وكانت ترى أن نجاح الأسرة مسؤولية مشتركة.
ولم تقتصر علاقتها بالمهنة على الكي فقط، وتقول: تعلمت أيضًا الخياطة وإصلاح الملابس، وكنت اتنقل بين ماكينة الخيا

طة والمكواة طوال اليوم.
وتتحدث أم شريف عن زوجها بحنين واضح، مؤكدة أنه كان يشجعها باستمرار ويمنحها الثقة في قدراتها، حتى أصبحت تمتلك خبرة جعلتها قادرة على إدارة العمل بمفردها.
ورغم قسوة المهنة وما تفرضه من جهد بدني يومي، لا تزال أم شريف تتعامل معها بشغف واضح، وتحب القراءة في أوقات فراغها، وتقول إن القراءة والعمل بينهما شيء مشترك؛ كلاهما يحتاج إلى الصبر وربما كان الصبر هو الكلمة الأقرب لوصف رحلتها كلها.

رحلة سيدة مصرية بسيطة واجهت الفقد والمسؤولية والعمل الشاق، لكنها نجحت في تربية أبنائها، وزوّجت ابنتيها، وحافظت على بيتها، مستندة إلى ما تعلمته من أمها وما تركه لها زوجها من خبرة وثقة وقدرة على الوقوف من جديد كلما اشتدت الظروف.



