لم تعد الأزمة الحقيقية في الحياة السياسية المصرية هي نقص عدد الأحزاب فلدينا عشرات الأحزاب المسجلة لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كم حزبًا يعيش بين الناس؟ وكم حزبًا يشعر المواطن بأنه يعبر عنه؟ وكم حزبًا يستطيع أن يقدم حلًا قبل أن يصدر بيانًا؟
الحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها أن الفجوة بين المواطن والأحزاب اتسعت خلال السنوات الماضية ليس لأن المواطن عزف عن السياسة، وإنما لأن كثيرًا من الأحزاب عزفت عن المواطن انشغلت بالصراعات الداخلية وبالمناصب وبالظهور الإعلامي بينما بقيت قضايا الناس الحقيقية تبحث عمن يتبناها ويدافع عنها.
المواطن المصري لا يريد حزبًا يظهر كل خمس سنوات مع الانتخابات ثم يختفي ولا يريد حزبًا يجيد الاعتراض دون أن يمتلك بديلًا ولا حزبًا يكتفي بإصدار البيانات بينما تتغير الحياة من حوله بسرعة غير مسبوقة. المواطن يريد حزبًا يطرق بابه يسمع شكواه يناقش مشكلاته ويقدم حلولًا واقعية قابلة للتنفيذ.
لقد تغير مفهوم العمل السياسي في العالم. لم يعد النجاح لمن يرفع صوته أكثر بل لمن يمتلك رؤية أوضح. ولم تعد المعارضة تعني الرفض الدائم كما أن الموالاة لا تعني التصفيق المستمر. السياسة الرشيدة هي أن تقول نعم عندما تكون المصلحة الوطنية حاضرة وأن تقول لا عندما يكون لديك بديل أفضل يخدم الوطن والمواطن.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأحزاب هو أن تتحول إلى كيانات موسمية أو إلى أندية مغلقة للنخبة أو إلى منصات لتبادل الاتهامات. فالحزب الذي لا يعيش في الشارع لن يعيش في البرلمان. والحزب الذي لا يصنع كوادر لن يصنع مستقبلًا. والحزب الذي لا يقرأ المتغيرات سيجد نفسه خارج التاريخ.
واليوم، وبعد الرسائل الواضحة التي أكدت أهمية تنشيط الحياة السياسية والحزبية لم يعد هناك مبرر للتقاعس. الكرة أصبحت في ملعب الأحزاب نفسها. فإما أن تستغل هذه الفرصة التاريخية لإعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين أو تظل تدور في الدائرة نفسها حتى تفقد ما تبقى من حضورها وتأثيرها.
لكن استعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات الرنانة وإنما بالمواقف والعمل. تبدأ عندما يشعر المواطن أن الحزب يقف معه في قضاياه اليومية في مواجهة الغلاء وفي تطوير الخدمات وفى إصلاح التعليم وفى دعم الاستثمار وفي تحسين أداء المحليات. فالقضايا الكبرى تبدأ دائمًا من احتياجات الناس البسيطة.
ومن هنا يصبح الانتقال من المعارضة التقليدية إلى المعارضة المسؤولة ضرورة لا خيارًا. المعارضة الحقيقية ليست أن ترفض كل شيء وإنما أن تقدم حلولًا أفضل ورؤى قابلة للتطبيق وبرامج تستند إلى الأرقام والدراسات لا إلى الانفعال أو المزايدات السياسية.
كما أن الأحزاب مطالبة بأن تعود إلى دورها الأصيل في صناعة الوعي السياسي خاصة بين الشباب. فنحن نعيش عصرًا تصنع فيه القناعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتنتشر فيه الشائعات أسرع من الحقائق. وإذا غابت الأحزاب عن معركة الوعي فسوف تملأ الفراغ قوى لا تؤمن بالدولة ولا بالديمقراطية ولا بالمصلحة الوطنية.
إن بناء الوعي لا يكون بالخطب بل بالحوار والتدريب وإعداد قيادات جديدة وإتاحة الفرصة للشباب والمرأة للمشاركة الحقيقية في صنع القرار. فالحزب الذي لا يكتشف قياداته القادمة يحكم على نفسه بالشيخوخة السياسية.
إن المرحلة المقبلة لن ترحم الأحزاب التي تكتفي بمقرات فخمه ولا تلك التي تعيش على الشعارات وفاعليات مفبركه والشارع لا يمنح ثقته إلا لمن يراه بينه يعمل معه ويدافع عن مصالحه.
لقد حان الوقت لتدرك الأحزاب أن الشرعية الحقيقية لا تأتي من مقارها وإنما من الناس. وأن قوتها لا تقاس بعدد اللافتات أو المؤتمرات بل بقدرتها على التأثير في حياة المواطنين. فإذا نجحت في ذلك، استعادت مكانتها باعتبارها شريكًا في بناء الدولة. أما إذا بقيت حبيسة البيانات والخلافات الداخلية والنقرات الفخمه فإنها ستكون قد أهدرت فرصة قد لا تتكرر.
إن تنشيط الحياة الحزبية ليس مسؤولية الدولة وحدها بل هو مسؤولية الأحزاب أولًا. والتاريخ لا يتذكر من اشتكى من ضعف المشاركة وإنما يتذكر من امتلك الشجاعة ليغير الواقع ويقود الناس نحو الأمل ويجعل السياسة مرة أخرى وسيلة لخدمة الوطن لا ساحة للصراع على المواقع.