عاجل

الشيخ خالد الجمل يكتب: ببساطة.. عام دراسي جديد قد يبعث معه أمل جديد.. فاغتنمه

الشيخ خالد الجمل
الشيخ خالد الجمل

هناك مشهد نراه في كل عام في مثل هذا التوقيت، لكنه في الحقيقة لا يتكرر أبدًا .. إنه بداية السنة الدراسية الجديدة.

صباح مختلف عن كل صباح .. طالب يحمل حقيبته .. أب يتابع خطوات ابنه بعينٍ تخفي وراءها دعاء ورجاءه .. وأم ترتب ملابس أولادها وكأنها ترتب معها أحلامها للمستقبل.

وفي مكان آخر، معلم يدخل فصله، وأمامه عشرات الوجوه الجديدة التي لا يعرف أيًّا منها سيكون غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا أو صاحب أثر في حياة الآخرين.

إنها ليست عودة إلى الدراسة فحسب ... إنها عودة إلى تكملة صناعة الإنسان.

فكل عام دراسي جديد هو فرصة جديدة لأن نُعيد اكتشاف قيمة العلم في حياتنا، وأن نسأل أنفسنا: ماذا نريد من أبنائنا أن يتعلموا؟ وهل نريد منهم مجرد درجات وشهادات، أم نريد علمًا يصنع عقلًا راشدًا، وضميرًا حيًّا، وإنسانًا نافعًا؟

لقد جعل الإسلام العلم قضيةً كبرى، ولم يكن ذلك مصادفة أن تكون أول كلمة من الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. بدأت الرسالة بالقراءة .. لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقله ووعيه.

والقرآن الكريم لا يكتفي بالدعوة إلى العلم، بل يرفع مكانة أهله، فيقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ويقول جل شأنه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

والعلم الذي يريده الإسلام ليس مجرد تراكم للمعلومات، وإنما علم يقود إلى الحق والخير والعمل وتحقيق أحلاف الفرد والمجتمع كله.
ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. نعم .. فكلما ازداد الإنسان علمًا نافعًا، ينبغي أن يزداد تواضعًا ومسؤولية وخشيةً لله جل وعلا.

ولذلك جعل النبي ﷺ مجرد السعي في طريق العلم عبادة عظيمة فما بالك بمن نفع بعلمه البلاد والعباد .. فقال ﷺ : «مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».

تأمل معي اخي القارئ هذا المعنى: الطالب الذي يخرج من بيته صباحًا، ويذهب إلى مدرسته، ويجلس ليتعلم، ويجتهد في فهم ما ينفعه، يمكن أن يكون في عبادة لا تقل قيمة عن كثير من صور العبادة التي يعرفها الناس، إذا صلحت نيته وقصد بها نفع نفسه وأهله ومجتمعه.

ولم يجعل الإسلام فضل العلم للمتعلم وحده، بل رفع كذلك شأن من يعلّم الناس الخير. قال رسول الله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري، وقال ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

وهنا تظهر عظمة رسالة المعلم؛ فالمعلم لا يشرح درسًا وينتهي الأمر، وإنما قد يصنع بكلمة منه شخصيةً كاملة. وقد يكتشف في طالبٍ موهبة لم يكتشفها أحد، أو يزرع فيه ثقةً بنفسه، أو يصحح له فكرةً خاطئة، أو يغرس فيه قيمةً تظل معه حتى آخر العمر.
ومن هنا، فإن مسؤولية العام الدراسي الجديد لا تقع على الطالب وحده.

فالأسرة مطالبة بأن تجعل العلم قيمةً محبوبة، لا مصدرًا دائمًا للخوف والضغط. والمعلم مطالب بأن يرى في طلابه مشاريعَ بشريةً تحتاج إلى بناء، لا مجرد أرقام في كشوف الدرجات. والطالب مطالب بأن يفهم أن النجاح الحقيقي ليس في أن يحفظ لينجح في الامتحان، ثم ينسى؛ وإنما في أن يتعلم ليصبح أفضل، وأن يجعل علمه نافعًا لنفسه ولغيره.

كما أن علينا أن نُعيد الاعتبار إلى كل علم نافع يخدم الإنسان والمجتمع؛ فالعلم الشرعي يبني الضمير ويهدي السلوك، والعلوم التجريبية والطبية والهندسية والتكنولوجية تبني الحضارة وتعمر الأرض، والإسلام لا يضع تعارضًا بين علمٍ نافع وعلمٍ نافع، وإنما يوجه الإنسان إلى أن يجعل علمه في طريق الخير والإصلاح.

وفي بداية هذا العام، ما أحوجنا أن نغرس في أبنائنا دعاءً عظيمًا علّمه الله لنبيه ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.

فلا تجعلوا العام الدراسي مجرد عام جديد في دفتر السنوات، بل اجعلوه عامًا جديدًا في بناء الإنسان.

علّموا أبناءكم أن الكتاب ليس ورقًا، وأن المدرسة ليست جدرانًا، وأن المعلم ليس مجرد وظيفة، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق.

إنما العلم نور، والعلم أمانة، والعلم مسؤولية، والعلم إذا صاحبه الإخلاص والعمل الصالح، كان طريقًا لرفعة صاحبه في الدنيا، وسببًا للأجر والرفعة في الآخرة.

فإذا فتحت المدارس أبوابها هذا العام، فلنفتح معها أبواب الطموح، وأبواب المعرفة، وأبواب المستقبل.. ولنجعل من كل مقعد دراسي بدايةً لإنسانٍ أفضل، ومن كل كتاب خطوةً نحو أمةٍ أقوى.

تم نسخ الرابط