من ثقافات هذا الزمان أننا حين نسمع كلمة التصوف، فإن نفوسنا وعقولنا يصيبها الانزعاج. هذا لأن الصورة الذهنية المترسخة في أذهان كثيرين منا عن التصوف وعن الصوفية صورة ذهنية غير منضبطة، أسهمت في تكوينها مجموعة من العوامل والتراكمات عبر الأزمنة المتطاولة.
ومن أبرز هذه العوامل ظهور القطاع العريض من المنتسبين للتصوف حول العالم، وبالتحديد في هذا الفضاء الرقمي المتسع، بصورة تنافي المنهج الصوفي الأصيل الداعي إلى تأسيس السلوك على الاقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهذه حقيقة التصوف التي لا حقيقة غيرها.
ومن هذه العوامل أيضًا تدني نسب الوعي والإقبال على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية، والإقبال على قنوات لا نعرف أصحابها، ولا نعرف هوياتهم العلمية، ولا روافدهم المعرفية التي استقوا من خلالها علوم الدين، ثم هم يقدمون أنفسهم للمشاهدين والمتابعين تحت مسمى الداعية الإسلامية.
ثم العامل الأكثر خطورة، وهو استغلال كارهي التصوف لهذا الظهور من المنتسبين إليها بأشكال سلبية تسيء إليه، ثم تسليط الضوء على هذه الممارسات، ثم تقديمها للقطاع العريض من المتابعين على هذه الوسائل على أن هذا هو التصوف، ولا تصوف غيره أبدًا.
وفي الحقيقة، إننا حينما نقول إننا بحاجة إلى إعادة إحياء علم التصوف، فإن الأصوات المعارضة تتصاعد، وليس هذا إلا لغلبة هوى أو لضعف وعي؛ فإن التصوف علم شرعي متكامل الأركان، كسائر العلوم الشرعية التي تُدرَّس ودُرِّست في الأزهر الشريف وأشباهه من المحاضن العلمية على مستوى العالم الإسلامي عبر تاريخ الإسلام.
فالتصوف علم متكامل، أُسِّس على الكتاب والسنة، له مسائله، وله مصنفاته، وله أسماؤه الكبيرة التي تمثل أئمته ومشايخه وعلماءه. فالاعتراض على هذا القول معناه أن المعترض أصلًا لم يدرك البعد الإيجابي الأصيل التاريخي لعلم التصوف.
وإن احتياجنا إلى التصوف في هذا الزمان، واحتياجنا إلى توظيفه في واقعنا المعاصر، يرجع إلى أن كثيرًا من المسلمين يتوجهون إلى الإفادة من المعارف الغربية في جانب إصلاح النفس، وهذا ظهر لنا في التوجه إلى ما سُمِّي بعلوم التنمية البشرية، التي هي في الحقيقة اجتهادات ونظريات غربية لا علاقة لها بالنموذج المعرفي الإسلامي، ولا تعتمد في أسسها ومنطلقاتها على أي منطلق يتصل بالوحي الشريف.
والقاعدة عندنا أن من أراد من المسلمين أن يتثقف في علمٍ ما، وأن يفيد من المعارف الأخرى التي قامت بها وأسستها الحضارات الأخرى، فلابد أن يكون له أساس من نموذجه المعرفي الإسلامي، قبل أن يؤسس عليه ما يتلقاه عن الحضارات الأخرى.
وإنَّ المجتمعاتِ الإنسانيةَ في الفترةِ الراهنة، شهدت قفزاتٍ متسارعةً في الانحرافاتِ الأخلاقيةِ والفكريةِ والسلوكية، نتجت عن تأثيراتٍ معاصرةٍ لم يستطع الإنسانُ أن يواجهها منفردًا، ففرضت طبيعةُ الوقتِ علينا أن تكون هناك خطة لإحياء الضمير الإنساني . كي يكون الإنسان حاكما على نفسه . لأن السيطرة الخارجية عليه انتهت بكل أسف .
ولكي يكون للإنسانِ وازعٌ من نفسه يسيطر عليه؛ فليس سبيلٌ لإحياء ضمير الإنسان إلا بربطه بربِّه عن طريق معاني المجاهدة، وفهم الذات، ثم إلزامها بقوانين الوحي الشريف. وإنَّ العلمَ الذي تصدَّى وتصدَّر لهذا الأمر عبر العصور في النموذج الإسلامي هو علمُ التصوف، وهذه حقيقةٌ سطَّرتها الكتب، حتى إنَّ ابنَ القيم كتب كتابه مدارج السالكين، الذي شرح فيه كتاب الإمام الهروي المسمى منازل السائرين، اعترافًا من هذه المدرسة بأهمية هذا العلم الشريف. وفي المقالات القادمة، إن شاء الله، نستكمل التعريف بعلم التصوف.