في كل مرة تُطرح فيها مبادرة اقتصادية غير تقليدية، تنقسم ردود الفعل سريعًا بين من يكتفي بقراءة العنوان، ومن يحاول فهم ما وراءه. وخلال الأيام الماضية، تصدّر المشهد الاقتصادي خبر يفيد بدراسة الحكومة المصرية تأسيس شركة مساهمة لإدارة واستثمار الأصول العقارية المملوكة للدولة، على أن تكون إحدى الأدوات المستخدمة ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة جزء من الدين الحكومي، لتتحول القضية في غضون ساعات إلى سؤال واحد تردد على ألسنة الجميع: هل تستبدل مصر ديونها بالعقارات؟. ورغم وجاهة السؤال في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تحديات مالية وضغوط تمويلية، فإن الإجابة عنه لا يمكن أن تُختزل في عنوان أو منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن جوهر الفكرة الاقتصادية المطروحة يختلف كثيرًا عن الصورة التي تشكلت في أذهان البعض.
فالاقتصاد الحديث لم يعد ينظر إلى الأصول الحكومية باعتبارها مجرد ممتلكات ثابتة يجب الاحتفاظ بها دون حركة، كما لم يعد يعتبر الاقتراض هو الوسيلة الوحيدة لتغطية الاحتياجات التمويلية للدول. لقد تطورت فلسفة الإدارة المالية العامة خلال العقود الأخيرة لتنتقل من مفهوم امتلاك الأصول إلى مفهوم إدارة الأصول، وهو تحول جوهري يعكس اختلافًا عميقًا بين دولة تمتلك ثروة لا تستثمرها، ودولة تمتلك الثروة نفسها لكنها تعرف كيف تحولها إلى مصدر مستدام للقيمة والعائد دون أن تفقد ملكيتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن إنشاء شركة متخصصة لإدارة واستثمار الأصول العقارية المملوكة للدولة لا ينبغي تفسيره باعتباره إعلانًا عن بيع ممتلكات الدولة لسداد الديون، وإنما باعتباره محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الأصول العامة والالتزامات المالية، بحيث تتحول الأصول غير المستغلة أو منخفضة الكفاءة إلى أدوات اقتصادية أكثر إنتاجية، قادرة على دعم المركز المالي للدولة وتقليل الضغوط الواقعة على الموازنة العامة.
والفرق بين المفهومين بالغ الأهمية. فبيع الأصل يعني انتقال ملكيته بصورة نهائية إلى طرف آخر مقابل سيولة مالية تنتهي آثارها بمجرد إنفاقها، أما إدارة الأصل واستثماره فتعني الحفاظ على الملكية مع تعظيم العائد الاقتصادي منه، سواء من خلال التطوير أو إعادة الاستخدام أو الشراكة الاستثمارية أو تحقيق تدفقات نقدية مستمرة يمكن توظيفها في تحسين الوضع المالي للدولة. ولذلك فإن الخلط بين إدارة الأصول وبيعها يمثل أحد أبرز أسباب سوء الفهم الذي صاحب هذا الملف منذ اللحظة الأولى.
وفي الواقع، فإن القيمة الاقتصادية لأي أصل لا تكمن في ثمنه السوقي فقط، وإنما في قدرته على توليد دخل مستدام. فقد تمتلك دولة آلاف الأفدنة من الأراضي أو مئات المباني ذات القيمة المرتفعة، لكنها إذا ظلت غير مستغلة أو تحقق عائدًا أقل من إمكاناتها الحقيقية، فإنها تتحول إلى ثروة مجمدة لا تضيف للاقتصاد سوى قيمة دفترية، بينما تتحمل الدولة في المقابل تكلفة مرتفعة للاقتراض من أجل تمويل احتياجاتها التنموية. وهنا تظهر المفارقة الاقتصادية؛ فمن غير المنطقي أن تمتلك الدولة أصولًا ضخمة منخفضة الكفاءة، وفي الوقت نفسه تتحمل أعباء تمويل مرتفعة كان يمكن تخفيفها من خلال إدارة أكثر كفاءة لتلك الأصول.
ولهذا السبب، اتجهت العديد من الحكومات حول العالم خلال السنوات الأخيرة إلى تبني سياسات تقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول العامة، ليس باعتبارها بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي، وإنما باعتبارها أحد مكوناته الأساسية. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ما تمتلكه من أصول، بل بقدرتها على تحقيق أعلى عائد ممكن منها، من خلال الحوكمة، والإدارة الاحترافية، وإعادة هيكلة المحافظ العقارية، وإنشاء كيانات متخصصة تمتلك من المرونة والخبرة ما يمكنها من اتخاذ قرارات استثمارية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء شركة مساهمة لإدارة الأصول العقارية يمثل انتقالًا من الإدارة الإدارية التقليدية إلى الإدارة الاقتصادية الاحترافية. فبدلًا من أن تتوزع الأصول بين جهات متعددة تختلف في آليات إدارتها، تصبح هناك مظلة مؤسسية قادرة على تقييم الأصول وفقًا لقيمتها السوقية، وتحديد أفضل استخدام اقتصادي لها، وإعادة هيكلة المحافظ العقارية بما يحقق أعلى عائد ممكن مع الحفاظ على الملكية العامة. كما أن هذا النموذج يتيح قدرًا أكبر من الشفافية والحوكمة، ويجعل تقييم الأداء قائمًا على مؤشرات اقتصادية واضحة بدلًا من الاكتفاء بالإدارة الروتينية.
وفي المقابل، فإن استخدام هذه الأصول ضمن خطة لإعادة هيكلة الدين لا يعني أن العقار سيصبح وسيلة مباشرة لسداد الالتزامات المالية، وإنما يعني أن الدولة تسعى إلى تحسين جودة مركزها المالي عبر توظيف أصولها في تعزيز قدرتها على إدارة الدين بكفاءة أكبر. فكلما ارتفعت قيمة الأصول المدارة، وتحسنت قدرتها على توليد الإيرادات، أصبحت الدولة أكثر قدرة على خفض تكلفة الاقتراض، وتحسين شروط التمويل، وإطالة آجال الاستحقاق، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاستدامة المالية دون الحاجة إلى التخلي عن أصولها الاستراتيجية.
وربما يكون التحدي الأكبر في هذه التجربة هو ضمان أن تتحول إدارة الأصول إلى مشروع اقتصادي طويل الأجل، لا إلى وسيلة لتوفير سيولة مؤقتة. فنجاح التجربة لن يقاس بحجم الأموال التي يمكن جمعها في عام أو عامين، وإنما بقدرة الدولة على بناء نموذج مؤسسي مستدام يحقق تعظيمًا مستمرًا لقيمة الأصول ويعزز الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات التمويلية. وهذا يتطلب أعلى درجات الشفافية في تقييم الأصول، وإفصاحًا واضحًا عن آليات الإدارة، وحوكمة تضمن الحفاظ على المال العام وتعظيم عائده في الوقت نفسه.
كما أن نجاح هذه الخطوة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على التمييز بين الأصول الاستراتيجية التي تمثل جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، وبين الأصول القابلة للاستثمار والتطوير. فليس كل أصل مملوك للدولة يصلح للدخول في محافظ استثمارية، وليس كل أصل يمكن أن يخضع للمعالجة المالية بالآلية نفسها، وهو ما يجعل عملية التصنيف والتقييم إحدى أهم مراحل المشروع وأكثرها حساسية.
وفي تقديري، فإن ما يجرى تداوله اليوم لا يمثل تحولًا في ملكية الدولة لأصولها، بقدر ما يمثل تحولًا في فلسفة إدارتها. وهو تحول ينسجم مع اتجاه عالمي يرى أن الثروة العامة لا ينبغي أن تبقى جامدة، بل يجب أن تتحول إلى محرك للنمو الاقتصادي، ومصدر لتعزيز كفاءة المالية العامة، وأداة لتخفيف الضغوط التمويلية دون التفريط في حقوق الأجيال المقبلة.
إن الاقتصادات القوية لا تبنى فقط بحجم الإيرادات أو بمعدلات النمو، وإنما بقدرتها على إدارة ما تملكه من موارد بكفاءة. وإذا كان الدين العام يعبر عن جانب من التزامات الدولة، فإن الأصول العامة تمثل الجانب الآخر من ميزانها الاقتصادي، والحكمة تقتضي دائمًا أن تُدار الكفتان معًا، لا أن ينشغل صانع القرار بإحداهما دون الأخرى.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: هل تستبدل مصر ديونها بالعقارات؟، وإنما: هل تنجح مصر في بناء نموذج مؤسسي يحول ثروتها العقارية إلى قوة اقتصادية منتجة، ويجعل من إدارة الأصول رافدًا للاستدامة المالية، لا بديلًا مؤقتًا عن الإصلاح الاقتصادي؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل هذه التجربة، وهي التي ستكشف ما إذا كانت مصر بصدد تأسيس مدرسة جديدة في إدارة المال العام، أم مجرد تطبيق أداة مالية ضمن حزمة أوسع من سياسات الإصلاح الاقتصادي.