الشيخ محمد فرهود.. الرئيس السابع لجامعة الأزهر مؤسس وحدة الأطفال المبتسرين
أصدرت جامعة الأزهر أول كتاب يجمع السير الذاتية لرؤسائها البالغ عددهم ثمانية عشر رئيسًا على مدار خمسة وستين عامًا، ونستعرض في السطور التالية سيرة الشيخ الدكتور محمد السعدي فرهود.
ولد الرئيس السابع لجامعة الأزهر، في قرية (الزرقا) بمحافظة دمياط، في الأول من يناير سنة (1923م)، بالقرب من ضفاف النيل بين الزروع ومجالس العلم، لأبٍ من كبار القراء والمعلِّمين، شغوف بمنادمة العلماء؛ مما جعله يلحق ولده محمد بكتاب قريته (قرية الزرقا)، فيحفظ القرآن ويجوِّده، ويلتحق بعدها بمعهد دمياط الديني، فحصل الشيخُ على شهادته الابتدائية سنة (1939م)، ثم انتقل إلى معهد الزقازيق، وحصل منه على الشهادة الثانوية سنة (1944م).
والتحق الشيخ فرهود بكليَّة اللغة العربية، فنبغ وتخرج فيها بتفوق سنة (1948م)، فكان ترتيبه الأول على دفعته.
وانتقل بعد تخرجه بعام إلى القاهرة؛ للعمل في مدرسة مصطفى كامل الثانوية، وتقلَّب بين المدارس الثانوية، وحداه ذلك ليوسِّع من دراساته؛ فحصل على دبلوم الدراسات العليا للمعلمين سنة (1954م)، ودورة في الصحافة المدرسية سنة (1956م)، ثم دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في الدراسات الأدبية واللغوية في السنة نفسها.
وحصل كذلك على (درجة الماجستير) في الدراسات الأدبية بتقدير: (ممتاز) عن رسالته: (عبد الله النديم...حياته وآثاره) سنة (1958م)، ثم نال العالِميَّةَ (الدكتوراه) من كلية اللغة العربية بالقاهرة بتقدير (مرتبة الشرف الأولى) عن رسالته (شعر عبد الرحمن شكري: دراسة وتحليل ونقد) سنة (1967م)، وعمل الشيخُ بعدها بعام مدرِّسًا في قسم الأدب والنقد بكليَّة اللغة العربية بالقاهرة، اعتبارًا من فبراير 1968م، وترقَّى في الدرجات العلميَّة حتى بلغ درجة الأستاذيَّة سنة (1977م).
تولى الدكتور "فرهود" عمادة كلية اللغة العربية بأسيوط سنة (1973م) فأصبح العميد الثاني لها، فنهض بها، ولم يمضِ كثيرٌ حتى أمستِ الكليَّةُ محطّ الأنظار، ومُجتمَع الكبار؛ فقد انتدب لها أساتذة من معهد أسيوط الديني؛ أمثال الشيوخ: محمد عثمان الصاوي، وعبد الإله الخضيري، ومحمد الخضيري، وعبد الفتاح سلامة، وحسين البدري، وسيد أحمد عبد الرحيم، وسيد بخيت، وحسين البدري، كما استقدم لها من الجامعة في القاهرة: محمد عبد المنعم خفاجي، وعبد الحسيب طه، وعبد السلام سرحان، في طائفة من الشيوخ لا يسمح المقام بحصرهم.
وعاد الشيخ فرهود مرة أخرى إلى القاهرة في مارس سنة (1974م) أستاذًا بقسم الأدب والنقد، ثم عُيِّن وكيلًا لكلية اللغة بالمنصورة، ثم عميدًا لها سنة (1976م)، ثم نائبًا لرئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث في سبتمبر سنة (1979م)، ثم نائبًا لرئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب بعد ذلك بعام أو دونه بقليل. ثم عين وكيلًا للأزهر الشريف سنة (1981م).
الشيخ فرهد أول وكيل للأزهر يعيَّن على درجة وزير
والشيخ فرهد أول وكيل للأزهر يعيَّن على درجة وزير، وصادف أن توفي شيخ الأزهر الشريف حينها وهو الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار، فتولى مشيخة الأزهر بالنيابة.
عُين فضيلة الأستاذ الدكتور محمد السعدي فرهود رئيسًا لجامعة الأزهر في أغسطس سنة (1983م)، وظل فيها رئيسًا حتى بلغ سنَّ التقاعد سنة (1988م) شهدت خلالها جامعة الأزهر تطورات ملحوظة؛ حيث أنشئت: كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالمنصورة، ووحدة حديثي الولادة (الأطفال المبتسرين)، وتم وضع الأسس الواجب توافرها لافتتاح كليات جديدة للجامعة في المحافظات.
كما شغل الشيخ عضوية مجمع البحوث الإسلامية، والمجلسِ الأعلى للشئون الإسلامية، والمجالسِ القومية المتخصصة، والمجلسِ القومي للتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، والمجلسِ القومي للثقافة والآداب، وكان عضوًا في اتحاد الجامعات العربية، وتولى رئاسة رابطة الجامعات الإسلامية.
وكانت للشيخ مشاركات في تدعيم العلاقات بين الدول؛ فشغل رئاسة جمعية الصداقة بين مصر وبنجلاديش.
وشارك الشيخُ فرهود في إصدار العديد من الكتب والدراسات بمناسبة الاحتفال بالعيد الألفي للأزهر عام (1982م) منها: (الأزهر تاريخه وتطوره)، وهو الصادر عن الأمانة العامة للاحتفال، و(كتاب العيد الألفي للأزهر)، وهو الذي ضمَّ سيرة علماء الأزهر البارزين على طول تاريخه، وشارك في كتابة ومراجعة عدد من كتب اللغة العربية والدين المقررة على مراحل التعليم العام المختلفة، وله كتاب الأسلوبية والبيان العربي ألفه بمشاركة الأستاذين محمد عبد المنعم خفاجي، وعبد العزيز شرف، واشتغل الشيخ كذلك بتحقيق المخطوطات؛ فكان مما حقَّق كتاب الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني.
وكانت للشيخ إسهامات شعرية استعانت بها وزارة التربية والتعليم في مقرراتها؛ كنصوص توجيهية لتلاميذ المرحلة الابتدائية.
وأشرف الشيخ على نحوٍ من ثلاثمائة رسالة علمية؛ منها: إشرافه على الباحث أمين أحمد خضير في (1980م) عن رسالته للماجستير (أحمد أمين أديبًا وناقدًا)، وعلى رسالة الدكتوراه للباحث عبد الصبور ضيف في (1980م) عن رسالته " زكي مبارك حياته وأدبه". ونوقشت فيه رسائل تناولت إسهاماته الأدبية؛ منها: رسالة الباحث أحمد محمد عبد الله، التي نوقشت بكلية اللغة العربية بالمنوفية بعنوان: (الدكتور محمد السعدي فرهود أديبًا وناقدًا)، وأٌلفت الكتب عن حياته وفكره، مثل الكتيب الذي ألفه الأستاذ الدكتور صلاح شحاته، الأستاذ بقسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط، بعنوان: (الأستاذ الدكتور محمد السعدي فرهود سيرة ومسيرة في خدمة الأزهر الشريف والدين الإسلامي)، وكَتب عنه الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي، فقال: «زاملته في مراحل الدراسة التعليمية فلم أر تغيرًا في أخلاقه منذ عَرَفْتُه، مما أكد لي أن الطبع الإنساني المفطور على جبلة لا يتغيَّر بتغيُّر الأحوال والملابسات».

نال الشيخُ محمد السعدي فرهود وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في الاحتفال باليوم الألفي للأزهر سنة (1983م)، ثم نوطَ الامتياز من الطبقة الأولى سنة (1990م)، وجائزةَ الدولة التقديرية في الآداب سنة (1992م)، وهو أول أزهريٍّ يَحْصُلُ عليها، ثم نال كذلك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى مرة أخرى سنة (1995م).
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر سنة (2001م)، غَشِيَت السَّكِينَةُ تلك الجذوةَ المتقدة، التي مُذ اشتعلت لم تعرف هدوءًا، وأذعن لقضاء الله، وأسلم روحه وادعًا مطمئنًّا إلى باريها، تاركًا نتاجًا علميًّا أثرى به المكتبة العربية، ومن مؤلفاته: قضايا النقد الأدبي الحديث، ونصوص مختارة من العصر العباسي الثاني والثالث، والاتجاهات الفنية في شعر عبد الرحمن شكري، والمذاهب النقدية بين النظرية والتطبيق، وأسرار البلاغة في التشبيه والتمثيل.




