الأوقاف: صمود الجبهة الداخلية وفدائيو الجلاء .. الصخرة التي حطمت الاستعمار
نشرت وزارة الأوقاف المصرية بحثًا تاريخيًا حول صمود الجبهة الداخلية ودور فدائيي الجلاء في التصدي للمستعمر البريطاني، تحت عنوان «صمود الجبهة الداخلية وفدائيو الجلاء: الصخرة التي تحطمت عليها آمال المستعمر البريطاني»، تناول البحث السياق التاريخي لإلغاء معاهدة 1936، وصلابة الجبهة الداخلية، ودور مدن القناة، والتعبئة الشعبية، والثمار الاستراتيجية للمقاومة الشعبية.
أكد البحث أن قراءة التاريخ الوطني المصري تؤكد أن دحر العدوان لا يتحقق بالمعارك العسكرية المنعزلة، بل بالتحام عضوي تبدؤه جبهة داخلية متماسكة تمتد من الدلتا إلى الصعيد، لتشكل الحاضنة الشعبية والعمق الحيوي للمقاومة، مشيرًا إلى أن تماسك الجبهة الداخلية وكفاح الفدائيين تحول إلى صخرة استراتيجية حطمت آمال المحتل البريطاني.
إلغاء معاهدة 1936.. قرار تاريخي فتح باب التعبئة الشعبية
وتناول البحث السياق التاريخي لإلغاء معاهدة 1936، حيث شهدت الساحة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الثانية غليانًا شعبيًا وسياسيًا عارمًا جراء تعنت المحتل البريطاني ومماطلته في تحقيق الجلاء التام، وتوج هذا الغليان بقرار الحكومة المصرية التاريخي في أكتوبر 1951 بإلغاء المعاهدة، وهو القرار الذي لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل كان إعلانًا ببدء التعبئة الشعبية الشاملة، حيث تلاقت إرادة القيادة السياسية مع نبض الشارع في رفض الوجود البريطاني، وصار العمق المصري كاملًا يسير في مسار استراتيجي موحد يستهدف تقويض ركائز المحتل.
وأشار البحث إلى أن ردود الأفعال حيال قرار الإلغاء تأرجحت بين الإعجاب به وبين التوجس، إذ رأى قطاع من النخبة في القرار مغامرة غير محسوبة، مذكرين بملابسات حادثة الرابع من فبراير حين حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين، ورغم تباين الرؤى وتوجس بعض القوى السياسية، إلا أن الضغط الشعبي الهائل كان المحرك الأساسي وراء الإلغاء، وسارعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير تشريعية ودبلوماسية، شملت سحب السفير المصري من لندن، وإنهاء عقود الموظفين الإنجليز، وإصدار تشريعات تعاقب التعاون مع الاحتلال وتبيح حمل السلاح للمواطنين.
ثمانون ألف عامل يخرجون من المعسكرات.. ملحمة إضراب شلت الاحتلال
أما عن صلابة الجبهة الداخلية، فأكد البحث أن مواجهة المحتل لم تكن محصورة في بقعة جغرافية، بل كانت الجبهة الداخلية الممتدة من الإسكندرية إلى الصعيد هي العمق الاستراتيجي الأول للمقاومة، وتمثلت الاستراتيجية الشعبية والحكومية في حرمان قوات الاحتلال من الأيدي العاملة، وسهولة المواصلات، والوفرة التموينية، وتجسدت هذه الصلابة في الملحمة العمالية حيث أعلن العمال تمردهم، وتدفق أكثر من ثمانين ألف عامل خارجين من بوابات المعسكرات البريطانية، رافضين إغراءات الاحتلال بزيادة الأجور، مما تسبب في شلل تام لخدمات الدعم اللوجستي، كما امتنع المتعهدون عن تزويد المعسكرات بالسلع الغذائية، وأوقفت الحكومة مد عربات السكك الحديدية، وهجر سائقو القطارات أعمالهم، وتحولت قرى مصر ومدنها إلى شرايين حية لجمع التبرعات وتوفير المؤن، وقادت الجامعات حراكًا فكريًا وتعبويًا هائلًا، تحولت فيه قاعات العلم إلى مراكز لإعداد الوعي وتدريب قوافل الشباب.
وأوضح البحث أن جلاء المستعمر البريطاني لم يكن منحة سياسية، بل كان ثمرة جهاد فدائي مستمر، اتخذ من مدن الإسماعيلية وبورسعيد والسويس مسرحًا لعمليات نوعية، حيث شكل الطلاب والعمال والفلاحون عصب كتائب الفدائيين التي قامت بقطع خطوط المواصلات، وتفجير مستودعات الذخيرة، ومهاجمة الدوريات العسكرية، وقد حظيت هذه المجموعات بدعم سري من الحكومة التي اشترت السلاح من الصعيد، كما قام ضباط وجنود البوليس بدور محوري، وانخرطوا في العمليات الفدائية مرتدين الثياب المدنية، وتجسدت التضحية الميدانية في معارك دموية، كان ذروتها هدم الاحتلال لكفر أحمد عبده بالبلدوزرات لعجزهم عن معرفة مخابئ الفدائيين، وهو ما رد عليه الفدائيون بهجوم كاسح على معسكر القرش، لتتلوها ملحمة التل الكبير، ولم تخلُ الساحة من مطاردة الجواسيس، حيث أقدم الفدائيون على تصفية الخونة من المتعهدين المحليين الذين كانوا يبلغون الإنجليز بأماكن الفدائيين.
إحراق كنيسة السويس.. مؤامرة إنجليزية لإشعال الفتنة الطائفية فشلت
وفيما يخص التعبئة الشعبية، أشار البحث إلى أن الكفاح المسلح لم يكن ليصمد لولا السند الشعبي، حيث بلغ الوجدان الوطني ذروته بمشاركة مليون مواطن في مظاهرة صامتة بالقاهرة في 14 نوفمبر 1951، تقدمها قادة الأحزاب، وشهدت تقاطر آلاف النساء، وتمخض عنها تأسيس اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية، وتمددت التعبئة بإنشاء ترسانات سرية للسلاح، وتأليف لجان للتمويل، وتطوع الشباب للتدريب في الصحراء، وتضامنت الجماهير في القرى بتخريب الإمدادات المتجهة للمحتل، وأمام هذا التماسك، حاول المحتل وعملاؤه تفجير الوحدة الوطنية، بإحراق كنيسة السويس في 4 يناير 1952 لإثارة فتنة طائفية، لكن وعي الزعماء والأقلام الواعية أحبط المؤامرة بكشف الأصابع الإنجليزية، مما دفع وزير الشؤون الاجتماعية لإصدار قرار بحل الجماعة التخريبية.
خسائر فادحة للاحتلال واضطراره للاعتراف بضرورة الجلاء
وعن الثمار الاستراتيجية، أوضح البحث أن تقييم معارك القناة يثبت تحقيقها لأهدافها، حيث كان الهدف صياغة كفاح وطني شعبي مستمر لإحداث القلق داخل المعسكرات الإنجليزية، واستطاعت العمليات في الفترة من 18 أكتوبر 1951 إلى 25 يناير 1952 قتل وجرح وأسر العشرات من الضباط والجنود الإنجليز، وتدمير المنشآت، واضطرت القيادة البريطانية لإعادة توزيع وحداتها، وترحيل أسر الضباط الإنجليز، وبحلول 13 يناير 1952، باتت السفارة البريطانية تقر بضرورة الجلاء التام، وأمام العزلة الخانقة وسط شعب كامل يقاطعه، اضطر المحتل إلى توقيع اتفاقية الجلاء في أكتوبر 1954، لينتهي وجود عسكري بريطاني دام لأكثر من اثنتين وسبعين سنة.
وتثبت ملحمة الجلاء أن معارك التحرير الكبرى لا تُحسم في خطوط المواجهة الميدانية فحسب، بل تُربح أولاً داخل وعي وبنيان الجبهة الداخلية، باعتبارها الصخرة الحقيقية الحاضنة للمقاومة، وهي التجربة التي تؤكد أن وحدة الصف وتماسك الشعب هما حجر الزاوية والسلاح الأقوى لصون كرامة الأوطان وحماية سيادتها المستقرة.



