الخشت: الدراما أخطر من منابر الوعظ.. وهوليوود تنجح بالرسائل غير المباشرة
أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان ورئيس جامعة القاهرة السابق، أن تهيئة المزاج العام للمجتمعات نحو التنوير وقبول التعددية لا يأتي بالشعارات، بل يتطلب أدوات فاعلة على رأسها التعليم، والفنون، والدراما، موضحا أنه ينحاز تماما إلى فكرة الفن للمجتمع، ومؤكدا أن الدراما قادرة على ترسيخ قيم دولة المواطنة شريطة ألا تسقط في فخ الوعظ المباشر الذي يشبه أسلوب المتطرفين.
وأشار الخشت، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، إلى السينما الأمريكية وتمريرها لقيم ثابتة بشكل غير مباشر كتقديس الأسرة، معربا عن اتفاقه مع فكرة التسريب الفكري وقدرة الفنون على تنشئة المجتمعات عبر رسائل خفية تكون أكثر تأثيرا وضخامة من الخطاب المباشر.
السيطرة على مدخلات الوعي
وبين أستاذ فلسفة الأديان، أن صناعة العقل المتسامح تتطلب السيطرة الفكرية على ثلاثة روافد أساسية يسمع منها الإنسان ويتشكل وعيه وهي المدرسة والدراما والمنبر الديني، واصفا العقل البشري بالوعاء الذي يخضع لمعادلة المدخلات والمخرجات، لافتارئيس جامعة القاهرة السابق، إلى أن التحكم في المدخلات يضمن حتما مخرجات عقلانية ووطنية، منتقدا إلقاء العبء بأكمله على الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب، وموضحا أن المواجهة الأمنية وحدها ليست كافية طالما ظلت المنابع تفرز متطرفين جدد بسبب مشكلات التعليم والثقافة، داعيا إلى الاستعانة بمسؤولين يمتلكون الخيال والإرادة بدلا من عقول التكنوقراط الآلية.
المتطرفون ضحايا "نزلة برد فكرية"
وذكر المفكر الفلسفي، أنه يرفض تبني عقلية إقصائية تجاه المتشددين طالبا الفرز والتمييز بين نوعين؛ الأغلبية وهم أشخاص تعرضوا لانتكاسات نفسية أو إحباطات اقتصادية واحتضنتهم الجماعات ووفرت لهم شعورا فوقيا زائفا، واصفا تطرف هذه الفئة بأنه أشبه بنزلة البرد المؤقتة القابلة للعلاج المعرفي وإعادة التأهيل، وأضاف المتحدث، أن النوع الثاني يمثل الأقلية من أصحاب العقليات الجامدة التي انغلقت تماما داخل قالب متصلب وهؤلاء يحتاجون فترات طويلة من الرقابة والتأهيل، مستشهدا بنجاح تجربة الدولة المصرية في المراجعات الفكرية داخل السجون ومؤكدا بحكم معاصرته لهم أن الحالات التي استخدمت التقية وعادت للتطرف هي حالات محدودة جدا.
وقال الأكاديمي المصري، إن دولة المواطنة تكفل حرية الاعتقاد والتنوع الكامل وللشخص الحق في التفكير لكن ليس له الحق في فرض فكره وممارسة سلوك عدائي ضد الآخر، مبينا أن القانون والدستور هما المرجعية الوحيدة التي تضع سقفا لحرية التعبير عند حدود عدم الإضرار بالآخرين، ونوه الضيف، بأن السويد تمتلك مفهوما منفلتا وغير دقيق للحرية بالسماح بحرق المصحف الشريف تحت غطاء حرية التعبير، مشددا على أن حرق المقدسات هو ازدراء واضح وبث للكراهية وليس حرية رأي، ومثنيا في الوقت ذاته على الدول التي سنت قوانين حاسمة تجرم التمييز وإهانة مقدسات الآخرين.
تجفيف منابع التطرف بالجامعة
وشرح الخشت، كواليس تغلغل الجماعات الإسلامية في الجامعات خلال السبعينات والثمانينات عبر تقديم المساعدات المالية وتوفير السكن مستغلة وجود الفراغ، لافتا إلى أنه واجه هذا التغلغل أثناء رئاسته لجامعة القاهرة بالاستناد إلى قانونين مستوحيين من علم الفيزياء وهما الطبيعة لا تعرف الفراغ ومبدأ الإزاحة، حيث تم ملء الفراغ بالأنشطة والمسرح والموسيقى لإزاحة الأفكار المتطرفة، واستطرد رئيس جامعة القاهرة السابق، بأنه قام بتوسيع التكافل الاجتماعي وإلغاء شرط تقديم شهادة الفقر المهينة لقطع الطريق على استغلال الجماعات لحاجة الطلاب، بالتوازي مع تطوير المناهج لإلغاء نمط التفكير الثنائي وتغيير فلسفة كتب التاريخ لتبرز العلوم والفنون بدلا من الصراعات.
وأفاد أستاذ فلسفة الأديان، بإدخال مقرري التفكير النقدي وريادة الأعمال في بنية التعليم الأساسية بالجامعة، مؤكدا أنه قام بتحويل مسابقات الجامعة الدينية من مسابقات لحفظ القرآن إلى مسابقات لفهم وتفسير القرآن لضرب عقلية التلقين والحفظ الأعمى، واختتم المفكر الفلسفي، حديثه بتقسيم العالم العربي اليوم إلى ثلاثة نماذج؛ دول خرجت إلى النور ونجحت في تطوير التعليم والسيطرة الذكية على مدخلات الثقافة، ودول في المنطقة الرمادية تمتلك الرغبة لكنها عاجزة عن الآلية الصحيحة، ودول فاشلة تمزقها الحروب الأهلية تراجعت 200 عام إلى الوراء، مشبها وضع الدول الأخيرة بتاريخ أوروبا التي لم تنتج أفكار التسامح والنهضة إلا بعد أن أنهكتها الحروب الطائفية والمذابح البشعة ليتولد وعي ما بعد الصراع من رحم المعاناة.



