الخشت: الفيلسوف لا يمكن أن يكون متطرفا وتفكيك الوعي العربي يبدأ من المنهج
أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وأستاذ فلسفة الأديان، أنه تابع رد الفعل الغريب من بعض الناس على وفاة الدكتور مراد وهبة، مشيرا إلى أنه كان يتوقع هذا اللبس، ولكنه أصدر نعيا مطولا ينم عن التقدير والاحترام له، لافتا إلى أنه أوضح في النعي أنه في حضرة الموت يجب أن ننسى الخلافات الأيديولوجية، خاصة أن الراحل صاحب إسهام عقلي كبير وقيمة مهمة جدا يقدرها رغم الاختلاف الفكري معه.
مراد وهبة قديس في الأخلاق
وأوضح الخشت، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، أن مراد وهبة له إسهامات كبيرة جدا في تشريح العقل العربي وفي محاولة تطويره نحو النموذج الرشدي، مضيفا أنه كان إنسانا بأخلاقيات عالية جدا، وتحدث عن بداية معرفته به حين ناقشه في رسالة الماجستير وكان الخشت وقتها تلميذا صغيرا في الخامسة والعشرين من عمره، بينما كان مراد وهبة أستاذا كبيرا وعضوا في لجنة المناقشة بجانب الدكتور حسن حنفي والدكتور يحيى هويدي.
وبين الخشت، أن مراد وهبة قال له في ذلك الوقت أنا لن أناقشك في الأيديولوجيا ولكن ساناقشك في المنهج، مؤكدا أنه احترمه بشدة منذ تلك اللحظة لأن لديه القدرة على تجاوز الخلاف الفكري في تقييم الطلاب، واصفا إياه بأنه لو نصنف الناس أخلاقيا فهو في الأخلاق قديس، يتسم بالنبل والشهامة والصدق ويعطي كل ذي حق حقه، وكان يمتلك حالة من الهدوء والاتزان والمنطق في مواجهة محاولات بعض المذيعين لصناعة صراعات إعلامية ضيقة.
العقل الفلسفي يرفض النزعات المتطرفة
وذكر الخشت، أن الفيلسوف لا يمكن أن يكون متطرفا بمعني التطرف الذي نشاهده عند الجماعات الدينية، مشيرا إلى أن هذا لم يحدث في تاريخ الفلسفة على الإطلاق، لأن الفيلسوف يفكر بعقلية نقدية تعمل على تمحيص الأشياء والتمييز بين الوقائع والأوهام والاستنتاجات، ويعرف جيدا الفرق بين المقدس والبشري، وبين المطلق والنسبي.
وأضاف الخشت، أن الفيلسوف قد يكون راديكاليا أو متطرفا في تقديس العقل أو تقديس التجربة، لكن التطرف بالمعنى الديني الذي يقوم على رفض الآخر وفكرة امتلاك الحق التام واعتبار الآخرين على باطل تام هو أمر ممتنع فلسفيا وممتنع في العقل الفلسفي، لافتا إلى أن الفلاسفة المسلمين مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وكذلك الفلاسفة المسيحيين مثل أوغسطين وتوما الأكويني، كانوا مؤمنين إيمانا حقيقيا بالأديان ولم يكن لديهم أي نوع من التطرف الديني، بل كانوا يختلفون مع الآخر دون تحويل الرفض إلى فعل عنيف.
العقلية الرجعية ترفض الحوار وتدعي الوسطية
ولفت الخشت، إلى أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع الاختلاف في العقلية الفلسفية هي الحوار، مبينا أن محاولات أفلاطون كلها قامت على إدارة نقاشات بين فلاسفة يختلفون معه ويروج لآرائهم على ألسنتهم، وتابع أن هذا هو الفارق بين العقلية الفلسفية والعقلية الرجعية؛ فالعقلية الرجعية لا تقيم حوارا، وإنما ترفض الآخر، وإذا أقامت حوارا تقيمه بالمعنى الجدلي الموجود في علم الكلام وعلم العقائد، والذي يقوم على استخدام أساليب اللوم والتوبيخ والمغالطات وادعاء الحكمة والتعالي والفوقية.
وأشار الخشت، إلى أن التطرف درجات، وليس شرطا أن يكون المتطرف هو فقط عضو الجماعات الإسلامية الذي يقتل الناس، بل يمكن أن يكون التطرف نابعا من رجل دين يقال عنه إنه وسطي، شارحا المفارقة بأن الشخص إذا كان لا يقبل الرأي الآخر ويوبخه أو يلومه بطريقة غير لائقة فهذه درجة من درجات التطرف، وهي التي تصنع بعد ذلك التطرف الجذري الراديكالي المصحوب بسلوك العنف.
وقال الخشت، إن سلوك العنف يأتي من الحواضن الفكرية التي يقال عنها إنها وسطية لكنها في النهاية تصنع نمط تفكير متطرف يقوم على الزعم بامتلاك الحقيقة كلها والتحدث باسم الدين، مستطردا أن المتطرف يفكر تفكيرا أحاديا وينظر من زاوية واحدة، وهذه النظرة تبدأ برفض الآخر، ثم تتطور إلى أن أنا على حق والآخرين على باطل، ثم تتطور إلى الآخر كافر، وتنتهي عند مرحلة إذن أقتله.
غريزة الموت تصنع التطرف
وشدد الخشت، على أن التطرف بدأ منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان على الأرض، وتحديدا عندما قتل قابيل أخاه هابيل بعد أن استكثر أن يكون حظ هابيل أكثر منه فلجأ إلى العنف، مشيرا إلى أن التطرف يمثل جينات كامنة في الإنسان، حيث توجد في أي بشر نزعتان متضادتان؛ نزعة للحياة ونزعة للموت.
واستطرد الخشت، بأن الشخص الذي ينمي غريزة الحياة تتوجه كل جهوده نحو التنمية وتعمير الأرض والازدهار وأداء الرسالة الإلهية، أما غريزة الموت فتمثل الجناح الآخر الموجود داخل كل إنسان، فبعضنا يكبته ويصارعه، وبعضنا الآخر ينميه فتنمو عنده نزعة رفض الآخر والرغبة في القضاء عليه، لافتا إلى أن هذا يتطابق مع أطروحات سيجموند فرويد عن الغرائز المتضادة، ومع الآية القرآنية ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقاها، مؤكدا أن الإنسان كائن كالوتر المشدود بين الأرض والسماء، وبين الحياة والموت، وأن المتطرف لا يملك قرارا مسبقا بأنه متطرف، بل هناك ظروف عامة وخاصة تدفعه وتوفر له الوعاء لينمو فيه هذا الفكر.

