الخشت: القول بالإعجاز العلمي "إقحام" لنظريات متغيرة.. والقرآن يقر بـ"التعددية"
أكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وأستاذ فلسفة الأديان، أن محاولات لي النصوص للقول بأن القرآن أو الكتب المقدسة قد اكتشفت أمراضا أو علاجات منذ آلاف السنين هي إقحام في غير محله، مستنكرا صمت رجال الدين عن هذه المعلومات ولا يتذكرونها إلا بعد أن يكتشفها العلم الحديث.
وأوضح أستاذ فلسفة الأديان، خلال استضافته مع الإعلامي عبد اللطيف المناوي في برنامج رؤية أخرى على منصة الشرق بودكاست، أن العلم يضم ثوابت ومتغيرات والنظريات العلمية قابلة للتغيير والتطور وليست يقينا مطلقا، لافتا إلى أن قوانين نيوتن كانت قمة المجد حتى جاء آينشتاين بالنسيبية وجعلها صحيحة في النطاق الأرضي فقط ثم ظهرت ميكانيكا الكم، وبيّن رئيس جامعة القاهرة السابق، أن القرآن ليس كتاب فيزياء أو كيمياء بل هو كتاب هداية يرشد للغايه من الوجود، أما تفاصيل الخلق فقد طالبنا النص باكتشافها بأنفسنا في قوله سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، معتبرا رحلة داروين امتثالا لأمر قرآني لأن العلم علم والدين دين ولكل مجاله.
تقسيم الأدوار بين الدين والعلم
وشدد المفكر الفلسفي، على أنه لا يطالب بالمصالحة بين الدين والعلم بل بتقسيم الأدوار لأن المصالحة تعني ضرورة اتفاقهما وهو أمر غير ضروري، مشابها ذلك بمحاولات تقريب المذاهب الإسلامية التي لن تجعل الأطراف متفقة في العقيدة، ودعا الأكاديمي المصري، إلى تجاوز الصراع بين الأصولية والعلمانية والعبور نحو مرحلة ما بعد العلمانية وما بعد الأصولية، والابتعاد عن جدل من الصح ومن الغلط، ليتجه العلماء ورجال الدين معا نحو مواجهة التحديات الكبرى كالتغير المناخي والحروب النووية والأوبئة والفقر، وأشار الضيف، إلى أن رفضه للإعجاز العلمي لا يعني عدم الاستفادة من العلم، بل يرى أن العلم يمنح آفاقا جديدة لفهم القرآن دون تفسيره تفسيرا علميا جامدا، مستشهدا بلفظ موسعون في آية والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، حيث فسرها القدماء كالإمام الطبري بمعنى القدرة والسعة لعدم علمهم بتمدد الكون وهو فهم صحيح لعصرهم، بينما يمكن فهمها اليوم بمعناها الحقيقي المباشر وهو اتساع الكون علميا، مما يثبت مرونة النص وصلاحيته لكل عصر.
عقلية المتطرف تلغي "حمال الأوجه"
وأضاف أن صفة حمال أوجه في القرآن تمنح مرونة للاجتهاد وتنوع الفهم البشري مما يسمح بتعدد التفسيرات طالما يحتملها السياق، معتبرا هذه الطريقة هي المحارب الأساسي للتطرف، وقال الخشت، إن عقلية المتطرف ترفض تعددية الصواب وتقدس رأي مفسر معين كصواب مطلق، لافتا إلى أن الإمام الطبري في تفسيره كان يسرد كافة الأقوال لكنه ينتهي بترجيح معنى واحد وتخطئة الباقين بينما الصواب أن كل المعاني التي يحتملها اللفظ صحيحة، واستشهد الأكاديمي المصري، ببحثه في صغره عن الهيئة الصحيحة للصلاة ليكتشف بعد سنوات أن كل الهيئات الواردة عن النبي صحيحة والممنوع فقط هو وضع اليد على الخاصرة، ونوه أستاذ فلسفة الأديان، بمسألة الخلاف الفقهي حول الجهر بالبسملة مؤكدا أن كلا الأمرين ورد عن النبي وكلاهما صواب، مشددا على أن فكرة تعددية الصواب تضرب التطرف في مقتل.
ولفت إلى أن الرسول هو أول من دعا إلى قبول اختلاف الفهم وترسيخ التعددية مستدلا بحادثة لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، حيث انقسم الصحابة في الطريق لفريقين؛ أحدهما تمسك بحرفية النص وأخر الصلاة، والآخر فهم غاية النص وهي السرعة فصلى العصر في وقته، وعندما سألوا النبي أقر الفريقين ولم يعنف أحدا، واستطرد المفكر الفلسفي، متسائلا عن سبب تغييب هذه الصورة الإيجابية، ليجيب بأنهم أصحاب العقليات المغلقة التي تربت على الحفظ والتلقين لتحقيق مصالح معينة، وهو خط بدأ بعد انتهاء العصر الذهبي للإسلام في أواسط العصر العباسي، باستثناء إشراقات بسيطة كالأندلس القائمة على التنوع.
الانتقال من التسامح الأخلاقي إلى "الحوكمة"
وأفاد رئيس جامعة القاهرة السابق، بأن إدارة العلاقة التعددية داخل المجتمع لا تتحقق عبر التسامح كفضيلة أخلاقية لأنها غير كافية لإدارة الدول، بل يطالب بما يسميه حوكمة التسامح أي تحويله إلى حالة قانونية ودستورية يديرها القانون، بحيث يفرض القانون التعامل مع الآخر بتسامح ومساواة، وشرح المتحدث، أن الدولة يجب أن تكون محايدة تقوم بإدارة التعددية الدينية، ويكون أساس الانتماء فيها هو المواطنة متساوية الحقوق والواجبات للمسلم والمسيحي والبوذي والهندوسي، وللدولة الحق في وضع حدود للتصرف الديني بشرط التعبير عن الرأي دون كراهية أو ازدراء.
واختتم الخشت، باستشهاد بالنموذج الفرنسي في إدارة التعددية الدينية بفصل القانون بين الأشخاص مع مساواة كاملة، وكذلك المجتمع الأمريكي الذي يمثل نموذجا هائلا لإدارة تعددية دينية غير محدودة يحكمها الدستور والقانون في النهاية، مؤكدا أن فكرة حوكمة التسامح للخروج من صراع الأصوليين والعلمانيين تحتاج إلى مسارين متوازيين: وضع القوانين الحاسمة، وتهيئة المزاج العام وتربية الأجيال للتسامح لتبديد أثر العقلية المغلقة.


