عاجل

في خطاب ألقاه يوم الأربعاء 10 يونيو 2026 من قصر الإليزيه، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوة كل من مصر والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة للمشاركة في قمة مجموعة السبع بمدينة أفيان بشرق فرنسا.

يأتي هذا الإعلان في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تعاني المنطقة والعالم من أزمات متشابكة تشمل الحروب، واضطراب سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة والملاحة البحرية، وتداعيات تغير المناخ، وأزمات الهجرة غير الشرعية، والقلق من الملف النووي الإيراني وتداعياته على الأمن الإقليمي والدولي. وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة في هذه القمة، ليس فقط لتاريخ مصر الحافل في صناعة السلام والاستقرار، بل لموقعها الجيوستراتيجي الفريد ودورها المحوري في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.

أولاً: خلفية القمة – لماذا الآن؟

لم تكن دعوة الدول العربية الأربع لقمة مجموعة السبع اعتباطية، بل جاءت في سياق دولي متوتر يتسم بـ:

الحرب في أوكرانيا وما بعدها وما خلفته من تداعيات على أمن الطاقة والغذاء عالمياً.

التوترات في الشرق الأوسط، خاصة في البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب، حيث تتعرض حركة الملاحة التجارية لتهديدات متمتكرة.

الملف النووي الإيراني والمخاوف من سباق التسلح في المنطقة.

أزمة سلاسل التوريد التي تجاوزت الطاقة إلى الغذاء والدواء والصناعات الحيوية.

تداعيات تغير المناخ وتأثيرها على الأمن المائي والزراعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

هذه القمة، التي تجمع أكبر سبعة اقتصادات في العالم (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، اليابان) بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، أرادت من خلال دعوة الدول العربية الأربع أن تشركهم في صياغة الحلول، لا أن تفرضها عليهم.

ثانياً: مصر ودورها المحوري

تأتي مشاركة مصر في قمة السبع انطلاقاً من رؤية ثابتة: لا سلام ولا استقرار في المنطقة والعالم دون دور مصري فاعل. ويمكن تلخيص أهمية هذه المشاركة في النقاط التالية:

مصر وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس:

تمتلك مصر الممر الملاحي الأهم في العالم: قناة السويس، التي يمر عبرها حوالي 12% من التجارة العالمية. وأي تهديد لأمن البحر الأحمر أو مضيق باب المندب يؤثر مباشرة على حركة الملاحة في القناة، وبالتالي على الاقتصاد المصري والعالمي معاً. مصر ليست مجرد دولة مضيفة للقناة، بل هي حارسة لها، وقد أثبتت ذلك من خلال جهودها الدبلوماسية والأمنية لحفظ الأمن البحري في المنطقة. ومن المتوقع أن تطرح مصر في القمة رؤية متكاملة لتأمين الممرات الملاحية تشمل التعاون الإقليمي والدولي دون تدخلات خارجية مزعزعة للاستقرار.

مصر كجسر للطاقة

بعد اكتشافات الغاز الكبرى في البحر المتوسط، وتحول مصر إلى مركز إقليمي لتسييل وتداول الغاز، أصبحت مصر عنصراً حيوياً في أمن الطاقة الأوروبي. مشروع الغاز المصري لتزويد أوروبا عبر خط أنابيب "إيست ميد" وغيره، يجعل مصر شريكاً لا غنى عنه لدول السبع، خاصة فرنسا وإيطاليا وألمانيا. في القمة، ستؤكد مصر على دورها كمركز آمن للطاقة، وستدعو لاستثمارات أوروبية أكبر في البنية التحتية الطاقية في المنطقة.

مصر وقضية الهجرة غير الشرعية:

على عكس الكثير من دول الجوار، نجحت مصر في وقف تدفق الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها منذ عام 2016 بفضل جهد وطني كبير وحملات توعية وضبط أمني. وتستضيف مصر ملايين اللاجئين (حوالي 9 ملايين وفق تقديرات دولية)، مما يجعلها نموذجاً في تحمل المسؤولية دون مكاسب. في قمة السبع، ستقدم مصر تجربتها في التعامل مع الهجرة غير الشرعية، وستطالب بمشاركة عادلة للأعباء بين دول المنشأ والعبور والوجهة، وربط الهجرة بالتنمية، وليس فقط بالأمن.

مصر وسلاسل الإمداد والغذاء:

تأثرت مصر كغيرها بتداعيات الحرب على أسعار القمح والسلع الأساسية، لكنها استطاعت عبر استراتيجيات وطنية (مثل مشروع مستقبل مصر للتنمية المستدامة، واستصلاح الملايين من الأفدنة) أن تقلل من اعتمادها على الخارج. تستطيع مصر أن تقدم في القمة رؤية لـ "الأمن الغذائي المشترك" بين الشمال والجنوب، وأن تكون مركزاً لوجستياً لإعادة توزيع الحبوب والسلع لدول الجوار في إفريقيا والعالم العربي.

مصر والقضية الفلسطينية وتهدئة الصراعات:

في وقت تشتعل فيه المنطقة، تظل مصر اللاعب الأكثر حكمة في تهدئة الصراعات، سواء في غزة أو السودان أو ليبيا. القمة ستناقش بالتأكيد السبل لتحقيق وقف إطلاق نار دائم في غزة، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير القسري. مصر سترفع صوتها دفاعاً عن الحقوق الفلسطينية، مع التأكيد على أن أي حل لا يمكن أن يكون على حساب الأمن القومي العربي أو التطبيع دون قيام دولة فلسطينية.

ثالثاً: العلاقات المصرية الفرنسية – محور أساسي في القمة

العلاقات بين مصر وفرنسا هي نموذج فريد في تاريخ العلاقات الثنائية، وتمتد جذورها لأكثر من قرنين. ويبدو أن الرئيس ماكرون أراد إرسال رسالة واضحة بدعوته لمصر: لا يمكن الحديث عن الشرق الأوسط بمعزل عن مصر، وفرنسا تدرك ذلك.

ملامح العلاقة الاستراتيجية بين البلدين:

الشراكة الدفاعية والعسكرية: فرنسا هي ثاني أكبر مورد للأسلحة لمصر (بعد ألمانيا)، وتشمل الصفقات طائرات رافال، وفرقاطات FREMM، ونظم دفاع جوي متطورة. هذا التعاون ليس مجرد بيع أسلحة، بل هو شراكة استراتيجية تغطي التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

الشراكة الاقتصادية الضخمة: تستثمر فرنسا في مصر عبر كبرى الشركات مثل "توتال إنرجي" (الطاقة)، و"فينشي" (البنية التحتية)، و"ألستوم" (النقل)، و"سانوفي" (الصحة). مشروع تطوير مترو القاهرة الكبرى، ومشروعات الطاقة المتجددة، وميناء الإسكندرية الكبير، كلها مشاريع فرنسية مصرية مشتركة.

التنسيق السياسي والدبلوماسي: مصر وفرنسا تنسقان بشكل دائم بشأن الملفات الساخنة: الأزمة الليبية، الأوضاع في السودان، الوضع في لبنان، والملف النووي الإيراني. مصر ترى في فرنسا صوتاً أوروبياً متوازناً، وترغب في أن تلعب فرنسا دوراً أكبر في دفع رؤية مصرية لحلحلة الأزمات العربية.

الثقافة والجامعات: لا يمكن تجاهل البعد الثقافي العميق؛ فالمعهد الفرنسي في مصر هو الأكبر في العالم، والجامعة الفرنسية في مصر (UFE) نموذج ناجح للتعليم العالي المشترك. هذا الحضور الثقافي يجعل من السهل على فرنسا استيعاب الرؤية المصرية، والعكس صحيح.

لماذا دعا ماكرون مصر تحديداً؟

لأن ماكرون يدرك أن:

مصر هي قلب العروبة وعمقها الاستراتيجي.

مصر هي بوابة إفريقيا للعالم، وهي الدولة الأكثر تأثيراً في منطقة الساحل والصحراء.

مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي أثبتت أنها حصن الاستقرار في منطقة مضطربة.

مصر تمتلك رؤية طموحة (رؤية مصر 2030) تتوافق كثيراً مع أولويات أوروبا: التحول الأخضر، والتحول الرقمي، وتمكين المرأة، ومكافحة الفساد.

رابعاً: مصر ودول مجموعة السبع (G7) – علاقة متطورة

مجموعة السبع هي حليف اقتصادي وسياسي مهم لمصر، رغم بعض نقاط التوتر في الماضي. العلاقة المصرية مع كل دولة عضو:

مع الولايات المتحدة الأمريكية: العلاقة استراتيجية متعددة الأوجه، رغم التحديات المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان أحياناً. أمريكا تدرك أهمية مصر في حفظ السلام مع إسرائيل، ومكافحة الإرهاب في سيناء، وضبط إيقاع العلاقات مع إيران وتركيا. الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي لمصر هو الأكبر بعد إسرائيل. القمة فرصة لضبط التنسيق بين واشنطن والقاهرة تجاه الملفات الإقليمية، خاصة في السودان وليبيا.

مع فرنسا: (سبق الحديث عنها).

مع ألمانيا: هي الشريك التجاري الأول لمصر في أوروبا، ولديها تعاون ضخم في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. ألمانيا كانت حاسمة في دعم صندوق النقد الدولي لمصر، وهي حريصة على استقرار الاقتصاد المصري لأنه يؤثر على سلاسل التوريد الألمانية وأمن الطاقة الأوروبي.

مع إيطاليا: علاقة متطورة بعد سنوات من التوتر (قضية ريجيني)، وهي اليوم تتعافى بقوة. إيطاليا مهتمة بأمن الطاقة (الغاز المصري)، وأمن المتوسط ككل، وملف الهجرة غير الشرعية.

مع بريطانيا: بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تحاول لندن بناء شراكات جديدة، ومصر من أهم تلك الشراكات. التعاون في مجال الطيران المدني، والخدمات المالية، والاستثمار في البنية التحتية هو الأبرز.

مع كندا واليابان: علاقات واعدة في مجالات التعدين، والزراعة الحديثة، والبنية التحتية، والتعليم. اليابان قدمت نموذجاً فريداً في تطوير التعليم المصري (مدارس مصر اليابانية)، وكندا داعم رئيسي لمصر في منظمات الكومنولث والفرنكوفونية.

أبرز ملفات التعاون بين مصر و(G7) في هذه القمة:

تمديد برنامج دعم صندوق النقد الدولي لمصر لمواجهة تداعيات الحرب.

تحفيز الاستثمارات الخضراء في منطقة قناة السويس الاقتصادية.

دعم التحول الرقمي وريادة الأعمال في مصر.

توحيد المواقف تجاه الملف الإيراني، وضمان عدم تحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة.

التنسيق الأمني والاستخباراتي لمكافحة الإرهاب ومنع تدفق السلاح غير الشرعي.

مشاركة مصر في قمة مجموعة السبع ليست مجرد مناسبة دبلوماسية، بل هي اعتراف دولي بالدور المحوري الذي لطالما لعبته مصر في حفظ الأمن والسلام والتنمية في المنطقة. هذه القمة فرصة ذهبية لمصر:

لتعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الغرب.

لتقديم رؤيتها لحل الأزمات الإقليمية.

لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها.

لجذب المزيد من الاستثمارات والتكنولوجيا الأوروبية لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030.

الرئيس ماكرون، بدعوته لمصر، يكون قد رسم خارطة طريق جديدة للتعاون بين شمال المتوسط وجنوبه، وأكد أن الاستقرار في أوروبا يبدأ باستقرار جوارها الجنوبي، وعلى رأسه مصر.

ومصر كما عهدناها دائماً: حاضرة بقوة، ومؤثرة بحكمة، وحارسة لأمنها القومي والعربي والعالمي.

تم نسخ الرابط