كلما انطلقت منافسات كأس العالم، بدا العالم وكأنه قرية صغيرة، وفق التعبير الشهير لعالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان( 1911-1980) فمليارات البشر، على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، يجتمعون أمام الشاشات لمتابعة مباريات كرة القدم بحماس وشغف، في مشهد إنساني نادر يعكس قدرة الرياضة على توحيد الشعوب حول قواعد مشتركة ومفاهيم متفق عليها.
في هذه البطولة العالمية، يستعرض اللاعبون مهاراتهم الفنية والبدنية داخل الملعب، بينما تحكم الجميع لوائح وقوانين موحدة تُطبَّق دون استثناء، فحالة التسلل- على سبيل المثال- تستوجب إيقاف اللعب واحتساب ركلة حرة غير مباشرة للفريق المنافس، مع إلغاء أي هدف ينتج عنها، وعند وجود شك في القرار يتم اللجوء إلى التقنيات الحديثة، مثل حكم الفيديو المساعد (VAR)، للتأكد من صحة الحكم.
واللافت أن هذه القواعد تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، يستوي في ذلك البرازيل التي فازت بأكبر عدد من المرات بكأس العالم ( 5 مرات ) ، أو ألمانيا وإيطاليا اللتين حققتا اللقب أربع مرات لكل منهما، أو من الدول التي تشارك لأول مرة في تاريخ البطولة، مثل الأردن وأوزبكستان في مونديال 2026، الذي تستضيفه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا.
ولا يختلف الأمر إذا انتقلنا إلى مقارنة الدول الكبرى بالصغرى؛ فالقوانين الرياضية لا تميز بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبين دول صغيرة مثل الرأس الأخضر، الدولة الإفريقية الواقعة غرب السنغال، والتي لا يتجاوز عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، والتي تأهلت هي الأخرى للمشاركة في كأس العالم لأول مرة في تاريخها.
في عالم كرة القدم لا توجد مقاعد دائمة تضمن البقاء في البطولة مهما كانت النتائج، ولا يوجد "فيتو" يسمح لبعض المنتخبات بإلغاء القرارات التحكيمية أو تجاوز اللوائح المنظمة للمنافسة. الجميع يخضع للقواعد ذاتها، والجميع معرض للفوز أو الخسارة وفقًا لأدائه داخل الملعب.
ولو افترضنا وجود منتخبات تمتلك حق المشاركة الدائمة في كأس العالم دون الحاجة إلى اجتياز التصفيات، أو دولًا تملك حق الاعتراض على القرارات التحكيمية دون غيرها، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى اختلال مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، وإلى فقدان البطولة جزءًا كبيرًا من مصداقيتها وقيمتها لدى جماهيرها المنتشرة في مختلف أنحاء العالم.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا نجح العالم في الاتفاق على قواعد وآليات تنظم لعبة كرة القدم، ويواصل تطويرها والالتزام بها، بينما يعجز عن التوافق على منظومة سياسية دولية تحقق العدالة نفسها بين الدول والشعوب؟
ولماذا لا يتم تطبيق القوانين الدولية على الجميع بالمعايير ذاتها، بعيدًا عن الانتقائية والمصالح وموازين القوة؟ ولماذا لا تستلهم السياسة بعضًا من روح الرياضة، حيث تخضع جميع الأطراف للقواعد نفسها دون تمييز أو استثناء؟
إن كثيرًا من الحروب والصراعات التي يشهدها العالم اليوم ترتبط بغياب العدالة أو ازدواجية المعايير في تطبيقها، فحين يشعر الضعفاء بأن القانون لا يحميهم، وأن الأقوياء يملكون حق تجاوز القواعد دون مساءلة، تتراجع الثقة في النظام الدولي وتتسع دوائر الصراع.
لقد أدركت الحضارات والأديان عبر التاريخ أن العدالة هي أساس الاستقرار وبقاء الأمم، وأن غيابها سبب رئيس في انهيار المجتمعات وزوال الحضارات ، ومن أبلغ ما ورد في ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
(إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .
إن الرسالة التي تقدمها كرة القدم للعالم تتجاوز حدود الرياضة والمتعة؛ فهي تؤكد أن احترام القواعد وتطبيقها على الجميع دون تمييز هو الطريق الأقصر نحو العدالة، وأن المساواة أمام القانون ليست قيمة رياضية فحسب، بل ضرورة إنسانية وسياسية لبناء عالم أكثر أمنًا واستقرارًا.