عاجل

لم تعد المسألة مجرد أرقام تناقش في أروقة وزارة التضامن الاجتماعي أو نسب مئوية تضاف هنا وهناك كمسكنات مؤقتة.. إنها قضية كرامة إنسانية تمس وجدان وعصب أكثر من 11 مليون أسرة مصرية خلف الأبواب المغلقة في بيوت المتقاعدين حيث تخاض يومياً معركة شرسة وصامتة ضد طاحونة الغلاء التي لا ترحم.. حيث يقف "أصحاب المعاشات"  الذين أفنوا زهرة شبابهم وعرقهم في بناء مؤسسات هذا الوطن  حائرين أمام تآكل قيمة مدخراتهم ورواتبهم التقاعدية بفعل الانخفاض المتتالي لقيمة الجنيه وقفزات التضخم غير المسبوقة.
المطالبات التي تتردد اليوم في جنبات مصر ليست استجداء ولا طلباً للإحسان .. بل هي مطالبة بحقوق دستورية وقانونية أصيلة.. هؤلاء الشيوخ ليسوا متسولين على عتبات الاستهلاك بل هم ملاك حقيقيون لأموال استقطعت من قوتهم يوم أن كانوا شباباً ينتجون .. واليوم يطالبون بالحد الأدنى الذي يضمن لهم العيش بكرامة دون أن يمدوا أيديهم أو يشعروا بالمهانة في خريف العمر.
الواقع المعيشي لأصحاب المعاشات بات معقداً إلى حد "عدم القدرة على الاحتمال". فالزيادات السنوية التقليدية التي تقرها الدولة لم تعد قادرة على ملاحقة السوق الحرة .. إذ يتم امتصاص أي زيادة فور صدورها بل وقبل أن تصل إلى جيوب المتقاعدين نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية كالعلاج والغذاء التي تضاعفت بقرابة الـ 100% في بعض القطاعات.
الأزمة الكبرى تتجسد في الفاتورة العلاجية .. فمع تقدم السن تصبح الأدوية هي شريان الحياة الأساسي لكبار السن لمواجهة الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والأورام.. وفي ظل النقص المتكرر لبعض الأدوية الحيوية داخل منافذ التأمين الصحي الرسمية فيجد المتقاعد نفسه مضطراً لشرائها من الصيدليات التجارية بأسعار حرة تفوق طاقة معاشه الإجمالية ليتحول المعاش من وسيلة لتأمين الحياة إلى مجرد ميزانية عاجزة لا تغطي ثمن علبة دواء.
وبينما تتحدث البيانات الحكومية بلغة الأرقام المليارية وحزم الحماية الاجتماعية الاستثنائية يرى أصحاب الحقوق أن الأثر الفعلي على الأرض يكاد يكون غائباً.. فالفجوة تتسع لأن هذه الحزم تعامل كـ "منح" أو مسكنات موضوعية بدلاً من إرساء آلية هيكلية مرنة ومستدامة تربط الحد الأدنى للمعاشات بمعدلات التضخم والأسعار الحقيقية في الأسواق.. يضاف إلى ذلك غياب الحوار الحقيقي والمباشر مع الممثلين الشرعيين لأصحاب المعاشات مما يجعل صرخاتهم واستغاثاتهم المستمرة تضيع في فضاء الوعود التنفيذية المؤجلة.
ولأن أموال التأمينات هي في حقيقتها ملكية خاصة بنص الدستور فإن إعادة الانضباط لهذا الملف تتطلب العودة إلى المربع القانوني الأول .. فالمادة (17) من الدستور المصري واضحة ولا تقبل التأويل"أموال التأمينات والمعاشات أموال خاصة وتتمتع بجميع أوجه الحماية القانونية وتضمن الدولة عوائدها الاستثمارية"
هذا النص الدستوري يرفع عن أصحاب المعاشات صفة "المستفيدين من أموال الدولة" ليؤكد أنهم أصحاب ثروة تريليونية ضخمة.. والمطالبة الأساسية اليوم هي فك ارتهان الجزء الأكبر من هذه الأموال في السندات وأذون الخزانة الحكومية ذات العوائد المنخفضة مقارنة بنسب التضخم الحالية وإدارتها عبر آليات استثمارية مباشرة وذكية (في قطاعات العقارات والصناعة والزراعة) لتدر عوائد حقيقية تساهم في رفع المعاشات بشكل دوري تلقائي يحمي كبار السن من مقصلة الغلاء.
المطلوب الآن لتصحيح هذه الأوضاع التي باتت تقترب من حافة الكارثة الإجتماعية اتخاذ إجراءات جراحية عاجلة تشمل أولا ربط المعاش بالتضخم و تفعيل آلية قانونية تلزم بزيادة المعاشات بالتوازي مع مؤشرات الغلاء الحقيقية .. وإعادة النظر في الحد الأدنى للمعاشات ليكون متوافقاً مع تكلفة السلة الغذائية والعلاجية الأساسية .. 
بالإضافة إلى تغيير في منظومة علاج المسنين و توفير حماية صحية شاملة وحقيقية تعفي أصحاب المعاشات تماماً من تكلفة الأدوية المزمنة مع إلزام الهيئة العامة للتأمين الصحي بتوفير البدائل والخدمات دون مشقة الطوابير والانتظار مع تطوير الرعاية التكميلية وإعفاء كبار السن من نسب ملموسة في الخدمات العامة (كالمرورو المواصلات والخدمات الحكومية) اعترافاً وتقديراً لدورهم التاريخي في بناء الوطن.
 إن ملف أصحاب المعاشات هو اختبار حقيقي للعدالة الاجتماعية والتزام للدولة المصرية.. فكبار السن الذين يقفون اليوم في طوابير الصرف لا يطلبون إحسانا من أحد بل يطالبون بعرقهم الذي أودعوه في خزائن الدولة طوال عقود.. إن حماية كرامة المتقاعدين وإبعادهم عن دائرة العوز والفقر ليست ترفاً اقتصادياً بل هي واجب وطني ملزم حتى لا يشيخ المواطن في وطنه ليجد نفسه غريباً يبحث عن سبل العيش الكريم بشق الأنفس.

تم نسخ الرابط