عاجل

محمود بسيوني يكتب: الموقف السياسي.. القاهرة عاصمة «النفس الطويل»

محمود بسيوني
محمود بسيوني

لم يعرف تاريخ المنطقة عاصمة مثل القاهرة لديها هذا الكم من الصبر والنفس الطويل في التعامل مع أطراف اعتادت على إبقاء الخلاف والصراع لأطول فترة ممكنة، والالتفاف حول أي اتفاق لضمان مصالحها دون النظر إلى تكلفة تجدد الصراع الباهظة على الأرواح والتحديات الاقتصادية المترتبة عليها.
لم تيأس القاهرة من لعب دور الوساطة وبذل الجهد للتهدئة، دون النظر إلى حملات التشويه ومحاولات الإضعاف والضغوط من الأطراف المختلفة للتوقف عن ممارسة هذا الدور الحيوي في حفظ أمن واستقرار أكثر مناطق العالم اشتعالًا بالصراعات.
التزمت مصر بسياسة الصبر الاستراتيجي والنَّفَس الطويل، رغم ميل كثير من اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى المناورة التكتيكية السريعة والمكاسب الآنية، وقد أثمرت هذه الفلسفة عن إنجازات تاريخية متتالية في أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا، كان أهمها وأعقدها وقف الحرب في قطاع غزة بتوقيع اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر 2025، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد كبير من زعماء العالم، وبعد مفاوضات غير مباشرة بين وفدي حركة حماس وإسرائيل، برعاية أمريكية مصرية قطرية، تم التوصل إلى اتفاق بشأن المرحلة الأولى من خطة ترامب، بعد مضي عامين من الصراع الدامي.
ومن المهم الوقوف أمام البيان الصادر عن الرئاسة المصرية عقب التوقيع على الاتفاق، والذي تضمن أربع نقاط، وهي:
1- أهمية وقف الحرب في غزة بصورة شاملة.
2- الانتهاء من عملية تبادل الرهائن والأسرى.
3- الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
4- ضمان دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى المحاصرين.
تلك هي الثوابت المصرية التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي في كل المحافل الدولية، بلا كواليس أو مزايدات من أي طرف.
لقد كانت التهدئة في غزة ثمرة وساطة مصرية لا تنقطع حتى حين تعثرت المسارات وتصلبت المواقف، وقد كابدت القاهرة طويلًا بين تعنت إسرائيلي واشتراطات متبدلة، وصبرت على الانتكاسات، حتى أتى ثمرها يانعًا.
لم تتوقف القاهرة عند حد الإنجاز الأول، بل انكبت فورًا على ملف أكثر تعقيدًا؛ إذ جددت مصر مطالبتها بضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أهمية تنفيذ كامل بنوده، وبدء خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية إلى القطاع بكميات تتناسب مع احتياجات السكان.
وتتضمن هذه المرحلة ملفات بالغة الحساسية؛ إذ تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل ونزع سلاح حماس والفصائل وإعادة الإعمار، وسط جهود مصرية لتوحيد الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسام باعتباره عقدة الصراع المزمنة، ومارست مصر سياسة النفس الطويل مع الفصائل الفلسطينية بإصرار لا يكل، وتواصلت جهود المخابرات المصرية بالتعاون مع الأشقاء في قطر وتركيا لتوحيد الصف الفلسطيني بعد وقف الحرب على غزة، تمهيدًا لمرحلة ثانية أكثر تعقيدًا تشمل إعادة الإعمار وملف السلاح، وترى القاهرة أن الانقسام الفلسطيني هو أكبر هدية لإسرائيل وداعميها، ومن ثم فإن عملها نحو المصالحة ينطلق من اقتناع استراتيجي راسخ بأن فلسطين الموحدة وحدها القادرة على انتزاع حقوقها.
وخلال ماراثون مفاوضات المصالحة الفلسطينية المستمر لسنوات وسنوات، حافظت مصر على الوقوف على مسافة واحدة من كل أطراف الانقسام، وحاولت بكل الطرق رأب الصدع الفلسطيني باعتباره الضمان الوحيد لمواجهة التعنت الإسرائيلي، حيث لا تزال تل أبيب تماطل في الانسحاب من بعض المناطق داخل القطاع، وتواصل انتهاكات شبه يومية للاتفاق بما يهدد العودة إلى مسار الحرب، حتى إنها لم تتعاون بالقدر الكافي مع مجلس السلام الذي أنشأه ترامب في غزة، لرغبتها الدائمة في عدم الالتزام بأي اتفاق وترك غزة في حالة فوضى دائمة.
أمام هذا العناد الإسرائيلي، لم تتراجع القاهرة ولم تيأس، بل عمقت جهودها ووسعت مسارات الضغط الدبلوماسي، مؤمنة بأن ما لا تحسمه جولة تحسمه الجولة التالية.
ويقف الرئيس عبد الفتاح السيسي على أرض صلبة في كل مباحثاته، مؤكدًا أن أي حل حقيقي لا بد أن ينطلق من الانسحاب الإسرائيلي والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وقد أكسب هذا الثبات الموقفَ المصري زخمًا واحترامًا لدى مختلف الأطراف الفاعلة، بما في ذلك القوى الدولية المتداخلة في الصراع، التي تدرك أن القاهرة ظلت على مدار عقود الطرف الأكثر انخراطًا في جهود الوساطة ووقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ورغم ذلك، لم تتوقف حملات الهجوم والتشكيك في الموقف المصري، سواء عبر منصات إعلامية أو حسابات إلكترونية سعت إلى التقليل من حجم الدور الذي تقوم به القاهرة أو التشكيك في أهدافه، غير أن تطورات الأحداث ومسار المفاوضات أثبتا أن مصر ما زالت تمثل قناة الاتصال الأكثر فاعلية وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية أو إنسانية تخص غزة يصعب تصور نجاحها في غياب الدور المصري.
بل إن أصواتًا فلسطينية عديدة باتت تؤكد بصورة متزايدة أن إضعاف الدور المصري لا يصب في مصلحة غزة بأي حال من الأحوال، لأن القاهرة تمثل السند السياسي والإنساني الأهم للقضية الفلسطينية، ولأن أي فراغ في دور الوساطة يمنح إسرائيل مساحة أوسع لفرض الوقائع على الأرض وتنفيذ مخططاتها بعيدًا عن الضغوط الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن الدفاع الفلسطينى ان الدور المصري لم يعد مجرد دفاع عن دولة وسيطة، بل عن أحد أهم المسارات القادرة على حماية الحقوق الفلسطينية ومنع انزلاق المنطقة إلى موجات جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.
لا يُقرأ الدور المصري تجاه غزة قراءة صحيحة دون استيعاب أبعاده الإنسانية، فالقاهرة لم تكتف بممارسة الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة، بل أبقت معابرها ومساراتها مفتوحة أمام تدفق المساعدات، وتحملت اللجنة المصرية في غزة العبء اللوجستي والإنساني الهائل الذي فرضته الكارثة الغزية، فكانت بوصلة رحمة في خضم موجات الدم.
واستثمرت مصر نجاحها الكبير في وقف حرب غزة لوقف الحرب الأمريكية الإيرانية، وكان انحيازها الوحيد والمعلن هو رفضها للهجمات الإيرانية على الأشقاء في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين، وإعلان وقوفها إلى جانبهم بكل قوة وحسم، وكانت القاهرة ضمن الدول التي دُعيت للمشاركة في محادثات إيران وأمريكا في إسطنبول، في اعتراف صريح من الجميع بمكانة مصر كطرف لا غنى عنه في بناء الاستقرار الإقليمي.
وتوظف مصر رصيد الثقة الذي أودعه ترامب فيها بالتعاون مع الشركاء في المنطقة، وتحوله إلى رافعة دبلوماسية فعلية، ضاغطة نحو عملية سلام حقيقية بعيدًا عن حسابات بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يوظف استمرار الحرب في الشرق الأوسط وعلى جبهات إيران وغزة ولبنان لاستمرار بقائه السياسي.
قراءة سياسة مصر في التعامل مع أزمات الإقليم واجبة، لأنها تعبر عن فلسفة دولة تعرف ثقل التاريخ وتأبى أن تقايض ثوابتها بمكاسب عابرة، وكان النجاح المصري مرهونًا بسلاح النفس الطويل والصبر الاستراتيجي اللذين أكسباها ثقة الجميع، حتى باتت القاهرة أكثر من عاصمة لدولة كبرى؛ إنها عاصمة لضمير الإقليم وحارسة أمنه واستقراره.

تم نسخ الرابط