ابن مهاجر مغربي يقتحم سباق الإليزيه.. هل يصبح "أوباما فرنسا"؟
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، بدأت المنافسة مبكرًا داخل معسكر اليسار الذي يسعى إلى استعادة موقعه في المشهد السياسي الفرنسي بعد سنوات من التراجع والانقسامات.
وفي هذا السياق، أعلن عمدة مدينة سان وان، كريم بوعمران، المنحدر من أصول مغربية، عزمه خوض سباق الترشح إلى قصر الإليزيه، مقدمًا نفسه كوجه سياسي جديد يجمع بين الخلفية الشعبية والخطاب الأمني والنهج الاجتماعي الديمقراطي.
ويحاول بوعمران، البالغ من العمر 53 عامًا، شق طريقه نحو الساحة الوطنية مستفيدًا من تجربته المحلية في إدارة مدينة سان وان الواقعة في الضواحي الشمالية للعاصمة باريس، ومن صورته كرجل سياسة صاعد نجح في الانتقال من العمل البلدي إلى دائرة الاهتمام الوطني.
وينحدر بوعمران من أسرة مهاجرة، إذ ولد في سان وان لأب مغربي قدم إلى فرنسا للعمل في قطاع المقاولات.

على خطى أوباما.. كريم بوعمران يترشح لرئاسة فرنسا
وعرف حياة متواضعة في أحياء شعبية، قبل أن يبدأ نشاطه السياسي من بوابة الحزب الشيوعي الفرنسي في سن الثانية والعشرين، حيث انتخب لاحقًا مستشارًا بلديًا. لكنه غادر الحزب عام 2014 متجهًا إلى الحزب الاشتراكي، منتقدًا ما وصفه آنذاك بالتعامل مع سكان المدينة على أسس عرقية وتراجع جاذبية المدينة للطبقات الوسطى.
وفي عام 2020 انتخب عمدة لمدينة سان وان، قبل أن ينجح في الاحتفاظ بمنصبه خلال الانتخابات البلدية الأخيرة في مارس 2026 بعد فوزه من الجولة الأولى بنسبة 46.63 بالمئة، كما حظي باهتمام إعلامي متزايد، إذ وصفته صحيفة نيويورك تايمز عام 2024 بأنه انتقل من مجرد مسؤول محلي إلى شخصية تتردد أصداؤها في أروقة السياسة الفرنسية.
ويركز بوعمران بشكل خاص على الملف الأمني الذي جعله عنوانًا رئيسيًا لتجربته السياسية، فقد عمد إلى زيادة عدد عناصر الشرطة البلدية عشرة أضعاف، وافتتح مركزًا أمنيًا جديدًا عام 2023، كما فرض حظر تجول على القاصرين دون سن السادسة عشرة بعد الساعة العاشرة مساء اعتبارًا من يوليو 2025.
ويؤكد مسؤولون قضائيون أن تجربة سان وان قامت على الجمع بين الحضور الأمني المكثف في الشوارع والتحقيقات الرامية إلى تفكيك شبكات الجريمة المنظمة. ويختصر بوعمران هذه السياسة بالقول إنه نجح في تفكيك شبكات تجارة المخدرات داخل بلديته.

لكن طريقه نحو الإليزيه لا يبدو مفروشًا بالورود، إذ يواجه مشهدًا يساريًا شديد الانقسام والتنافس. فداخل الحزب الاشتراكي وحده، أعلن عدد من الشخصيات السياسية طموحها الرئاسي، من بينهم جيروم غيدج، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، ورافاييل غلوكسمان، إضافة إلى برنار كازنوف.
وقد قوبل إعلان بوعمران بانتقادات داخلية حادة، حيث سخر منه بعض خصومه السياسيين، فيما وصف مسؤول اشتراكي بارز المشهد بأنه "فوضى"، معتبرًا أن تعدد الطامحين للرئاسة يعكس حالة التشتت التي يعيشها اليسار الفرنسي.
في المقابل، يؤكد مقربون من بوعمران أنه يعمل منذ سنوات على إعداد مشروعه الرئاسي، مستعينًا بخبراء ومستشارين بارزين، من بينهم الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي.
كما يرى بعض المحيطين به أنه يعتبر نفسه حالة سياسية استثنائية في فرنسا، ويقارن تجربته السياسية بمسار الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
ويراهن بوعمران على استقطاب الناخبين الذين يرفضون الاختيار بين اليمين القومي ممثلًا في حزب التجمع الوطني، واليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون.
ويطرح نفسه كمرشح يساري جمهوري يدافع عن العلمانية، ويتبنى مقاربة براغماتية في الاقتصاد، مع تشدد واضح في قضايا الأمن والنظام العام.
كما يرفض التحالف مع حركة "فرنسا الأبية"، معتبرًا أن مشروعه السياسي مختلف عن توجهات اليسار الراديكالي، وهو ما جعله يدخل في مواجهات سياسية متكررة مع الحركة خلال السنوات الماضية.
ورغم الزخم الإعلامي الذي يحيط باسمه، لا يزال السؤال مطروحًا بشأن ما إذا كان كريم بوعمران قادرًا على التحول إلى مرشح رئاسي فعلي يمتلك حظوظًا حقيقية في الوصول إلى الإليزيه، أم أنه سيبقى مجرد صوت جديد في مشهد يساري مزدحم بالطامحين والمتنافسين.
ومن المرجح أن تتضح الإجابة خلال الأشهر المقبلة، عندما يضطر الحزب الاشتراكي والقوى اليسارية إلى حسم خياراتها والاتفاق على مرشح قادر على توحيد صفوفها وخوض معركة الرئاسة الفرنسية المقبلة.



