بطل من ورق.. كيف حول ترامب الذكاء الاصطناعي إلى ماكينة دعاية لا تتوقف؟
في مساء التاسع من مايو، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة غير اعتيادية على منصته المفضلة "تروث سوشيال"، ظهر فيها واقفا على متن قارب حربي، يراقب عبر منظار سفنا مشتعلة في عرض البحر.
لم تكن الصورة حقيقية، بل مولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وبعد ثوان قليلة فقط، تبعتها صورة أخرى تسخر من حاكم ولاية إلينوي جيه بي بريتزكر، قبل أن تتوالى خلال دقائق سلسلة من المشاهد الخيالية، من البحرية الإيرانية الغارقة في قاع البحر إلى نزال قتالي على عشب البيت الأبيض، وصولا إلى معالم أمريكية أعيد رسمها بألوان ومشاهد غير واقعية.
هذا السيل المتدفق من الصور يعكس تحولا لافتا في استراتيجية ترامب الإعلامية، حيث بات الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من حضوره الرقمي، وفق تحليل أجرته صحيفة فايننشال تايمز لمنشوراته خلال عام 2026
أظهر التحليل أن عدد المنشورات التي تتضمن صورا أو مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي ارتفع بشكل حاد خلال شهر مايو، حيث نشر ترامب ما لا يقل عن 57 منشورا من هذا النوع خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر، مقارنة بثمانية منشورات فقط خلال أبريل بأكمله.
ومن أصل أكثر من 2700 منشور نشرها ترامب هذا العام، احتوى ما يقرب من نصفها على مواد بصرية، بينما حدد الباحثون ما لا يقل عن 75 منشورا تم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع الإشارة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك بكثير.
حساب دونالد ترامب على تويتر يكشف عن أكبر عملية احتيال قام بها حتى الآن.
الدعاية الفوضوية
يرى خبراء أن ترامب لا يستخدم الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية، بل كوسيلة سياسية جديدة لصياغة رواياته الخاصة.
وقال الخبير في الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق هنري أجدر إن الرئيس الأمريكي انخرط بشكل كامل فيما يعرف بـ"الدعاية الفوضوية"، معتبرا أن ما يحدث يمثل تبنيا منهجيا لوسيلة تواصل جديدة تمنحه القدرة على إنتاج محتوى سريع التأثير ومنخفض التكلفة.
وتسمح هذه التقنية لترامب بتجسيد أفكاره السياسية بصريا، سواء عبر مشاهد انتصارات عسكرية متخيلة أو مشاريع بنية تحتية لم تنفذ بعد، أو حتى صور يقدم فيها نفسه باعتباره شخصية استثنائية أو بطلا خارقا.

من بين الصور التي نشرها ترامب خلال الأشهر الماضية، لقطات يظهر فيها وهو يرفع العلم الأمريكي فوق جرينلاند، أو يحمل سلاحا رشاشا مع عبارة "كفى لطفا"، إضافة إلى صور أخرى ظهر فيها بملابس البابا أو وهو يعانق السيد المسيح.
وترى كاثلين هول جاميسون، مديرة مركز أننبرغ للسياسة العامة في جامعة بنسلفانيا، أن هذه الصور تمثل امتدادا بصريا لخطاب ترامب السياسي، إذ تعزز صورته لدى أنصاره وتهاجم خصومه في الوقت نفسه.
وتضيف أن المحتوى يوحي وكأنه يعكس الصورة التي يرغب ترامب في أن يراه الآخرون من خلالها؛ زعيما قويا، ومنقذا، وشخصية استثنائية قادرة على تغيير الواقع.
من السخرية إلى الهجوم
لم تقتصر استخدامات الذكاء الصطناعي لدى ترامب على الترويج لصورته الشخصية، بل امتدت إلى مهاجمة خصومه السياسيين.
ففي أكتوبر الماضي، نشر مقطعا مولدا بالذكاء الاصطناعي يظهر متظاهرين من حركة "لا ملوك" وهم يتعرضون للإهانة من طائرة تحلق فوقهم، بينما أثار جدلا أكبر في فبراير عندما شارك مقطعا تضمن تصويرا مسيئا للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما، قبل أن يتم حذفه لاحقا.
ويرى بعض الباحثين أن هذه الأساليب تشبه أنماط الدعاية التي استخدمتها أنظمة سلطوية حول العالم، حيث يجري تمجيد القائد من جهة، وتصوير الخصوم باعتبارهم تهديدا أو أعداء من جهة أخرى.
الرئيس دونالد ترامب، البالغ من العمر 79 عاماً، ينتقد بشدة الذكاء الاصطناعي في دوامة المعلومات الاجتماعية المتعلقة بالحقيقة
وعود سياسية قبل أن تصبح واقعا
لا تقتصر منشورات ترامب على استحضار بطولات شخصية أو مهاجمة الخصوم، بل تستخدم أيضا لتسويق رؤى مستقبلية ومشروعات لم تر النور بعد.
فقد نشر سابقا تصورات لإعادة تطوير قطاع غزة، وصورا لبرج يحمل اسمه على سطح القمر، إلى جانب تصاميم تخيلية لمشروعات ونصب تذكارية مستقبلية.
وبحسب تحليل فايننشال تايمز، فإن الذكاء الاصطناعي يمنح السياسيين لأول مرة القدرة على عرض الوعود السياسية في صورة بصرية مكتملة قبل بدء تنفيذها فعليا، ما يزيد من تأثيرها العاطفي لدى الجمهور.
أوضح التقرير أن اعتماد ترامب المتزايد على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يأتي في إطار معركة أوسع للسيطرة على انتباه الجمهور في عصر المنصات الرقمية.
فبدلا من الاعتماد على المؤتمرات الصحفية أو المقابلات التقليدية، بات بإمكانه إنتاج مشاهد مثيرة للجدل خلال دقائق، تحقق انتشارا واسعا وتبقيه في صدارة النقاش العام.
وبينما يرى مؤيدوه أن هذه المنشورات تمثل شكلا جديدا من التواصل المباشر مع الجمهور، يحذر منتقدوه من أن المزج بين السياسة والخيال البصري قد يجعل التمييز بين الواقع والدعاية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، خاصة مع التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها المتزايدة على إنتاج محتوى يصعب اكتشاف زيفه.



