حكم من فاجأها الحيض قبل طواف الوداع .. الإفتاء توضح
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا جاء فيه، أدَّيتُ الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة، ثم جاءني الحيض قبل طواف الوداع، وتعذَّر عليَّ البقاء بمكة حتى أطهر فأؤدي الطواف، فسافرتُ مع فوجي وأنا حائض، فهل يلزمني شيء شرعًا؟ فقد أخبرني أحد أقاربي بعد الرجوع من الحج بوجوب توديع البيت، وأن ترك طواف الوداع يوجب دمًا، فهل هذا صحيح؟
وأجاب الدكتور نظير عياد مفتى الجمعهورية بالقول:طواف الوداع هو الطواف الذي يقوم به الحاجُّ بعد انتهائه من المناسك، وعزمه الخروج من مكة، مختتمًا به أفعال الحج، ليكون الطواف آخرَ عهده بالبيت، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَايَنفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِ بِالبَيتِ» أخرجه الإمامان: البخاري، ومسلم واللفظ له.
ووأضاف: سُمِّيَ بالوداع لأنه يُودَّعُ به البيت الحرام، ولذلك نصَّ جماعة من العلماء على أن طواف الوداع إنَّما يكون للآفاقي المسافر دون المكي وأهل الحرم، ودون الآفاقي الذي نوى الإقامة بمكة المكرمة؛ لانتفاء معنى الوداع في حقهم، إذ الوداع إنَّما يكون من المُفارق، لا من المُلازم.
ويُسمَّى طواف الوداع أيضًا بطواف الصَّدر؛ لصدوره عنه، أي: رجوعه.
وأوضح وقد اختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع في الحج من حيث الأصل، فذهب الحنفية والشافعية في الأظهر والحنابلة في الأصح إلى أن طواف الوداع واجب، فيلزم بتركه دم.
بينما ذهب المالكية، وهو قول داود وابن المنذر ومجاهد في رواية عنه، والشافعية في مقابل الأظهر، والإمام أحمد في رواية إلى أن طواف الوداع سُنة لا يلزم بتركه دم، فمن تركه فلا حرج عليه ولا فدية، وحجه صحيح، غير أنه قد فاتته الفضيلة، وهذا ما عليه الفتوى؛ لأنه قد رخص للمعذور في تركه، ولم يُؤمر بدمٍ ولا بغيره، فدلَّ ذلك على سُنِّيَّته؛ إذ لو كان واجبًا للزم بتركه جبران.
وقد اتفق الفقهاء -سواء القائلون بوجوب طواف الوداع أو بسُنِّيَّته- على أن الحائض ليس عليها وداعٌ؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أُمِرَ النَّاسُ أَن يَكُونَ آخِرُ عَهدِهِم بِالبَيتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
ولما ورد عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: حاضت صفية بنت حُييّ رضي الله عنها -زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم- بعدما أفاضت، قالت عائشة: فَذَكَرتُ حِيضَتَهَا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قالت: فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَلتَنفِر». وفي لفظٍ آخر: قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَوَ مَا كُنتِ طُفتِ يَومَ النَّحرِ؟» قَالَت: بَلَى. قَالَ: «لَا بَأسَ، انفِرِي» أخرجه الإمامان: البخاري، ومسلم واللفظ له.
وعلى ذلك تواردت نصوصُ الفقهاء من المذاهب الأربعة:
قال الإمام الجصاص الحنفي : [وللحائض أن تترك طواف الصدر، وتخرج ولا شيء عليها؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر صفية رضي الله عنها أن تنفر قبل أن تطوف للصدر، ولم يوجب عليها شيئًا] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي": [ولا ينصرف أحد إلى بلده حتى يودع البيت بالطواف سبعًا، فإن ذلك سنة ونسك لا يسقط إلا عن الحائض وحدها].
وقال الإمام الرافعي الشافعي في "العزير شرح الوجيز" : [ليس على الحائض طواف الوداع؛ لأن صفية رضي الله عنها حاضت فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أن تنصرف بلا وداع].
وقال العلامة أبو النَّجَا الحَجَّاوِي الحنبلي في "الإقناع": [ولا وداع على حائضٍ ونفساءَ].
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه ليس على الحائضِ طوافُ وداعٍ، ولا يلزمها بتركهِ دمٌ ما دامت قد غادرت وهي على حال حيضها، وبما أن المرأة المذكورة قد جاءتها العادة الشهرية بعد الوقوف بعرفة وأدائها طواف الإفاضة ولم تتمكن من طواف الوداعِ لعذرِ الحيض، فلا حرج عليها، ولا تلزمها فديةٌ ولا دمٌ.



