الجماعات الإرهابية في أفريقيا.. شبكات التمويل والتمدد والأهداف
شهدت القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة تصاعدا غير مسبوق في نشاط الجماعات الإرهابية، لا سيما في منطقة الساحل الغربي وحوض بحيرة تشاد والقرن الأفريقي.
وبات التمويل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها هذه الجماعات في تعزيز قدراتها وتوسيع نفوذها، مستعيضة في أحيان كثيرة عن الأيديولوجيا بالاقتصاد الإجرامي وسيلةً للبقاء والاستمرار.
وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، شهدت منطقة الساحل وحدها نحو 19% من جميع الهجمات الإرهابية في العالم خلال عام 2024، وتجاوزت أعداد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في القارة الإفريقية نصف إجمالي الوفيات العالمية الناجمة عنه.

أبرز الجماعات الإرهابية في أفريقيا
نستعرض أبرز الجماعات الإرهابية التي تعاني منها قارة أفريقيا، وهي:
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
تأسست في مارس 2017 باندماج أربع حركات مسلحة هي: أنصار الدين، وكتيبة ماسينا، والمرابطون، وفرع الصحراء لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، والتي يقودها إياد أغ غالي، الدبلوماسي الطوارقي السابق الذي قاد ثورات الطوارق في 2012، وتعلن الجماعة ولاءها للقاعدة وتسعى إلى استبدال سلطات الدولة بتطبيق محافظ للشريعة الإسلامية.

أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن أكثر من 3000 هجوم في بوركينا فاسو ومالي والنيجر خلال عام 2024، وتضاعف عدد هجوماتها المُعلنة في الأشهر الخمسة الأولى من 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، لتتجاوز 240 هجوما معلنا.
حركة الشباب الصومالية
تعد من أكثر الجماعات الإرهابية تأثيرا في القارة، وقد تحولت تدريجيا من جماعة تعتمد على الشريعة مصدرا للشرعية إلى شبكة إجرامية واسعة تعتمد على الابتزاز وتجارة المخدرات واستيراد السيارات لتمويل عملياتها، في ظل الضغوط الأمنية وفقدانها جزءا من أراضيها.
جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا
تتمركز في حوض بحيرة تشاد الممتد بين نيجيريا والكاميرون والنيجر وتشاد، وتتلقى تمويلا خارجيا سخيا إلى جانب ما تجنيه من عمليات الاختطاف وفرض الضرائب وتهريب البضائع.

من أين يأتي التمويل؟
وعن مصادر تمويل هذه الجماعات فهي متعددة، ومنها:
التجارة غير المشروعة
تعتمد الجماعات الإرهابية بشكل واسع على شبكات التهريب، إذ تحولت مناطق الساحل إلى ممرات رئيسية لتجارة الكوكايين المتجه نحو أوروبا.
ويشير تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى تنسيق التنظيمات المسلحة مع تجار المخدرات، مما يوفر موردا ماليا ضخما ومنتظما.
الاختطاف وطلب الفدية
ارتفعت نسبة الاختطاف من إجمالي الهجمات الإرهابية عالميا من 6.9% في الفترة 1970-2010 إلى 15.8% عام 2016.
وتكشف الأرقام المتاحة أن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي تلقى ما يقدر بنحو 75 مليون دولار فديات بين عامَي 2010 و2014، أما بوكو حرام فيقدر مسؤولون أمريكيون أنها تحصل على مليون دولار مقابل إطلاق سراح كل رهينة ثرية.

فرض الإتاوات والضرائب
باتت الجماعات الإرهابية تمارس دور "الدولة الموازية"، إذ تفرض على التجار والمزارعين والشركات ما تسميه "الزكاة" ورسوم الحماية، وبحسب تقرير "معهد هيرال"، تجبي حركة الشباب نحو 15 مليون دولار شهريا، يتجاوز نصفها من العاصمة مقديشو وحدها.
وكشف بحث صادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصلت نحو 768 ألف دولار في سنة واحدة من منطقة واحدة فقط، مما يشير إلى أن إيراداتها الإجمالية تبلغ عشرات الملايين سنويا.

سرقة الماشية والسيطرة على الموارد
تعد سرقة الماشية من المصادر الرئيسية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين نظرا لكون مالي من كبار مصدري الماشية في المنطقة، مما ييسر تصريف المسروقات في الأسواق المحلية، فضلا عن ذلك، تفرض الجماعة ضرائب على مداخل مناجم الذهب والطرق التجارية، مما يشكل رافدا تمويليا متجددا.
الدعم الخارجي والتبرعات
تستفيد بعض الجماعات من تمويل خارجي يأتي عبر قنوات تبرع رقمية وجمعيات تحت غطاء إنساني، مستغلة وسائل التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات من أفراد يجهلون وجهتها الحقيقية.

خطر الجماعات الإرهابية في إفريقيا
شهدت الأشهر الأولى من 2025 موجة من الهجمات النوعية تؤشر على تصاعد قدرات الجماعات الإرهابية:
- 8 يناير: هجوم على موقع عسكري شمال بنين، أسفر عن مقتل 28 جنديا.
- 7 فبراير: هجوم على قافلة مدنية في مالي، راح ضحيته 34 شخصا.
- 3 مارس: مجزرة في النيجر استهدفت مزارعين وأسفرت عن 17 قتيلا.
- 20 أبريل: تفجير قاعدة عسكرية في بوركينا فاسو بسيارة مفخخة، ما أودى بحياة 12 جنديا.
- 13 مايو: هجوم على موقع عسكري في إقليم لوروم أودى بحياة 60 جنديا، رافقه ظهور قائد الجماعة في تسجيل مصور يطالب سكان جيبو بالإخلاء.
لماذا تفشل جهود المواجهة؟
تتضافر عوامل عدة في إطالة أمد هذه الأزمة، فعلى الصعيد السياسي، أفضت الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي (2020) وبوركينا فاسو (2022) والنيجر (2023) إلى تفكك مؤسسات الدولة وخروج القوات الفرنسية، مما أوجد فراغا أمنيا استغلته الجماعات الإرهابية للتمدد السريع.
وعلى الصعيد الميداني، أظهرت القوى العسكرية الحكومية وحلفاؤها الروس ارتكاب فظائع بحق مدنيين، ما أجج السخط الشعبي وأمد الجماعات الإرهابية بموجة جديدة من المجندين.
أما على صعيد الاستراتيجية، يجمع المحللون على أن الحل العسكري وحده غير كاف، إذ أكد محللو المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة أن القضاء على هذه الجماعات "لا يتأتى إلا عبر التفاوض" إلى جانب الحل الأمني.



