أوديسة الرعب في الأطلسي.. القصة الكاملة لأربعون يوماً على متن سفينة “هانتا”
روت صحيفة “البايس” الإسبانية كواليس وشهادات من داخل سفينة فيروس هانتا، في الأول من أبريل 2026، غادرت السفينة "إم في هونديوس" ميناء أوشوايا في الأرجنتين، حاملة على متنها 114 مغامراً و61 فرداً من الطاقم.
وكانت الوجهة هي "أوديسة الأطلسي"، رحلة استكشافية نادرة تزور أكثر جزر العالم عزلة. لكن اليوم، وبعد مرور 40 يوماً، لا يتحدث العالم عن طيور البطريق أو المناظر القطبية، بل عن "فيروس الأنديز" الفتاك الذي حول السفينة إلى "تابوت عائم" يترقبه خبراء الصحة العالمية بقلق بالغ.

سفينة النخبة والمؤثرين
لا تعتبر "هونديوس" سفينة سياحية عادية؛ فهي مصممة للظروف القطبية القاسية وتخلو من مظاهر البذخ التقليدية مثل الكازينوهات، وركابها هم مزيج من المصورين المحترفين، ومراقبي الطيور، والأثرياء الباحثين عن "عالم بلا بشر". دفع هؤلاء مبالغ تتراوح بين 15,000 و24,000 يورو للشخص الواحد.
إلى جانب العلماء والمتقاعدين، كان هناك جيل جديد من الركاب: المؤثرون، حيث وثّق كل من الأمريكي جيك روزمارين، والمدون العربي قاسم ابن حتوتة، والتركي روحي جينيت، الرحلة لحظة بلحظة، مما جعل العالم يتابع الكارثة وهي تقع في بث شبه حي.
الضحية الأولى: الصمت الذي سبق العاصفة
بدأت المأساة بهدوء مريب، وفي أوائل أبريل، بدأ راكب هولندي (70 عاماً) يعاني من حمى وإسهال، لم يخرج من كابينته، وتلقى زيارة من طبيب السفينة ومساعده، و في 11 أبريل، توفي الرجل.
بدلاً من إعلان حالة الطوارئ، وُضع الجثمان في غرفة التبريد بالسفينة، ووفي اليوم التالي، ألقى القبطان خطاباً طمأن فيه الجميع: “الطبيب يؤكد عدم وجود عدوى والسفينة آمنة”، وبناءً على هذا التصريح، استمر الركاب في الاختلاط، وتناول العشاء الجماعي، وحتى مواساة أرملة المتوفى، وهو ما مهد الطريق لانتشار الفيروس.

نشر العدوى في "أكثر بقاع الأرض عزلة"
استمرت الرحلة وكأن شيئاً لم يكن، حيث توقفت السفينة في تريستان دا كونا، حيث نزل الركاب واختلطوا بالسكان المحليين وشربوا الجعة في الحانات المحلية، بل وصعد ركاب جدد، والمحطة الأكثر خطورة كانت سانت هيلينا في 24 أبريل، وهناك، نزل 30 راكباً ليعودوا إلى بلدانهم عبر الطيران.
من بينهم كانت أرملة الراكب الأول، التي كانت تظهر عليها أعراض المرض بوضوح، حيث ماتت المرأة لاحقاً في مستشفى بجنوب أفريقيا، مما أثار رعباً دولياً من احتمال انتقال الفيروس إلى ركاب الطائرات الذين خالطوها في رحلات العودة إلى أوروبا.
ولم تصدر شركة الشحن أي بيان علني. ولم يكن العالم يعلم أن هذه السفينة كانت تبحر لأكثر من أسبوعين وعلى متنها جثة، وربما كان هناك تفشي للوباء. ولم يكن ركابها على علم بذلك أيضاً.
كان الطبيب ومساعده هما التاليان اللذان أصيبا بالمرض، يروي لين قائلاً: "كان الطبيب يعتني بالجميع ليلاً ونهاراً بتفانٍ مطلق"، ولعل هذا التفاني والتفاعل مع الركاب كانا من العوامل الرئيسية في انتشار الفيروس.

طبيب متقاعد في مواجهة الوباء
عندما أصيب طبيب السفينة الرسمي ومساعده بالفيروس وفُقِدَت السيطرة الطبية، ظهر بطل غير متوقع: الدكتور ستيفن كورنفيلد، وهو طبيب أورام أمريكي متقاعد كان مجرد راكب يبحث عن الطيور.
كان من بين الركاب الدكتور ستيفن كورنفيلد، طبيب أورام متقاعد من ولاية أوريجون، جاب العالم لمراقبة الطيور. عندما مرض طبيب السفينة وتم إجلاؤه، عرض كورنفيلد المساعدة.
وقال:"كنت هناك لأقدم يد العون" ، لكن تقديم المساعدة، في وسط جنوب المحيط الأطلسي مع تفشي مرض لم يُشخص بعد، كان يعني العمل 18 ساعة يوميًا بالموارد المحدودة لعيادة السفينة السياحية.
وأوضح: "السفينة بها مستشفى، لكنه مصمم للعمل لبضعة أيام فقط".
ارتدى كورنفيلد قفازات وقناعًا منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه المساعدة، وعندما تأكدت إصابته بفيروس هانتا، قام بتحديث معدات الوقاية الخاصة به، واستحمّ باستمرار، وغسل ملابسه يوميًا.
وبمجرد انخراطه في العمل، لم يكن التراجع خيارًا متاحًا: "لا يمكنك ببساطة أن تقول للجميع 'لقد انتهيت' وتختبئ في كوخك. شعرتُ بأنني مُجبر على ذلك."
الحقيقة المرة: فيروس الأنديز
في 2 مايو، جاءت الصدمة من مختبرات جنوب أفريقيا؛ التحاليل أكدت أن القاتل هو فيروس هانتا (سلالة الأنديز).
تكمن خطورة هذه السلالة تحديداً في أنها الوحيدة التي تنتقل من إنسان لآخر، بخلاف بقية سلالات هانتا التي تنتقل عبر القوارض فقط.
في غضون ذلك، توفيت ضحية ثالثة على متن السفينة، وهي سيدة ألمانية في الثمانينات من عمرها، مما دفع منظمة الصحة العالمية والمركز الأوروبي لمكافحة الأمراض (ECDC) للتدخل العاجل.

السفينة الآن: عزل وحيرة
ترسو "هونديوس" حالياً قبالة الرأس الأخضر بعد أن رفضت السلطات السماح للركاب بالنزول. يعيش الركاب حالة من "الهدوء القلق"، وقاسم ابن حتوتة نقل صورة مطمئنة، مشيراً إلى أن الركاب يشاهدون مباريات كرة القدم ويحاولون الحفاظ على هدوئهم.
أما روحي جينيت، فقد عبّر من إسطنبول (بعد مغادرته المبكرة) عن رعب حقيقي، منتقداً تأخر الناقلة في اتخاذ إجراءات العزل لمدة 12 يوماً كاملة بعد الوفاة الأولى.
الخاتمة: في انتظار اليابسة
بينما تتجه السفينة الآن نحو تينيريفي في جزر الكناري، يترقب العالم مصير الركاب المتبقين، الرحلة التي كان من المفترض أن تكون "هروباً من العالم" تحولت إلى تذكير صارخ بمدى هشاشة الأمن الصحي العالمي، حتى في أبعد نقطة في المحيط الأطلسي.
تبقى الأسئلة معلقة: لماذا تأخرت شركة "أوشين وايد" في إعلان الطوارئ؟ وكيف سيتم التعامل مع الركاب الـ 30 الذين نزلوا في سانت هيلينا وتوزعوا في بقاع العالم؟



