حكم المبيت بالمزدلفة.. دار الإفتاء تكشف آراء الفقهاء بالتفصيل
أجابت دار الإفتاء عن حكم المبيت بالمزدلفة، موضحة أن مناسك الحج تنقسم إلى قسمين: قسم مجمع عليه بين المسلمين لا يجوز الخروج عنه، وآخر محل خلاف بين الفقهاء، مؤكدة أن التعامل مع المسائل الخلافية في الشريعة يقوم على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن من القواعد الشرعية المقررة أنه "لا يُنكر المختلف فيه وإنما يُنكر المتفق عليه"، وأنه يجوز للمسلم الأخذ بقول أي من المجتهدين في مسائل الخلاف، خاصة إذا كان ذلك محققًا للمصلحة وموافقًا للتيسير، كما أن "الخروج من الخلاف مستحب حيث أمكن".
وأضافت أن حفظ النفس يُعد من المقاصد الشرعية الكلية المقدمة على غيرها، وهو ما ينعكس بوضوح في فقه مناسك الحج، لافتة إلى ضرورة مراعاة واقع الزحام والتكدس الشديد الذي قد يؤدي إلى إصابات أو وفيات، مؤكدة أنه لا يصح شرعًا تطبيق قول مستحب أو مختلف فيه على حساب أرواح الحجاج وسلامتهم، وفي هذه الحالة يُؤخذ بقول الميسرين والمرخصين من الفقهاء.
وفيما يتعلق بحكم المبيت بالمزدلفة، أوضحت دار الإفتاء أن الفقهاء اختلفوا فيه؛ فذهب بعضهم إلى أنه ركن من أركان الحج، وهو قول نُقل عن الحسن البصري وبعض التابعين وأفراد من العلماء، بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقوف بالمزدلفة ليس ركنًا، وهو ما قرره عدد من العلماء، ومنهم الإمام النووي في "المجموع" نقلًا عن جماهير السلف والخلف.
وبينت أن القائلين بعدم ركنيته اختلفوا في حكمه، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه واجب، يصح الحج بدونه مع وجوب دم على من تركه بلا عذر، بينما يسقط الإثم والدم عند وجود عذر شرعي، مثل الزحام أو المرض أو الاضطرار للحركة لأداء نسك آخر.
وأوضحت أن من الأعذار كذلك ما يتعلق بالنساء أو من يخشى المشقة الشديدة أو ضياع المال أو وجود ضرورة شرعية، مستشهدة بعدد من الأحاديث التي رخص فيها النبي ﷺ لبعض الفئات كالرعاة وسقاة الحجيج.
وأضافت أن المالكية يرون استحباب المبيت بمزدلفة مع وجوب المكث بها قدر حط الرحال، وإلا وجب الدم عند الترك بلا عذر، بينما يرى الحنفية أن المبيت سنة مؤكدة، وأن الواجب هو الوقوف بعد الفجر إلى طلوع الشمس.
وأكدت دار الإفتاء، أن اختلاف المذاهب في هذه المسألة يندرج ضمن سعة الشريعة الإسلامية، وأن جميع الأقوال معتبرة شرعًا، مع التأكيد على أن الأعذار الشرعية ترفع الحرج وتسقط الإثم والدم، بما يحقق مقصود الشريعة في التيسير وحفظ النفس.



