هدنة أم انفجار.. خبير يكشف أخطر سيناريوهات مفاوضات باكستان بين أمريكا وإيران
في وقت تُحبس فيه الأنفاس بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أكد المحلل السياسي والخبير البارز في الشأن الإيراني، إفشار سليماني، أن الجمهورية الإسلامية والنظام الدولي بأسره يقفان اليوم أمام "مفترق طرق تاريخي" سيعيد تشكيل موازين القوى العالمية لعقود قادمة.
وفي تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، أكد سليماني أن إعلان طهران حتى الآن عدم نيتها المشاركة في محادثات إسلام آباد يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، خاصة مع ربط الجانب الإيراني أي مشاركة برفع الحصار الأمريكي المفروض على الخليج العربي، والذي تعتبره طهران خرقا صارخا لتفاهمات وقف إطلاق النار.
وأوضح سليماني أنه في حال تعثر هذه الجولة، فإن "تمديد الهدنة" بوساطة باكستانية يظل الخيار الأرجح لتجنب التصعيد العسكري، مستبعدا في الوقت ذاته إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تنفيذ تهديداته بالقصف الجوي، مرجحا استمراره في سياسة الحصار البحري الخانق لمضيق هرمز.

سيناريوهات مفاوضات باكستان.. وغموض الحضور الإيراني
فتح سليماني حديثه بالحديث عن المشهد الأكثر جدلا وغموضا، وهو مصير محادثات إسلام آباد المرتقبة: "حتى اللحظة، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية بوضوح أن طهران لا تنوي المشاركة في هذه الجولة من المفاوضات، وهذا الموقف ليس مجرد تكتيك تفاوضي، بل يعكس قناعة إيرانية راسخة بأن الحصار الأمريكي المفروض على الخليج هو انتهاك صريح لشروط وقف إطلاق النار".
وأضاف الخبير في الشأن الإيراني: "طهران ربطت مشاركتها برفع هذا الحصار أولا، وهو شرط تعلم جيدا أن واشنطن لن تقبله بسهولة. وهنا تكمن خطورة المرحلة، لأن الساعة تدق ولا يتبقى سوى يومين على انتهاء وقف إطلاق النار".
وتوقع سليماني سيناريوهات محتملة في حال انهارت محادثات إسلام آباد قبل أن تبدأ، موضحا: "الأرجح في هذه الحالة أن تتدخل باكستان بثقلها الدبلوماسي لإقناع الأطراف بتمديد وقف إطلاق النار، وإبقاء الباب مفتوحا أمام جولة مفاوضات قادمة. أما التصعيد العسكري من جانب واشنطن، فرغم أن ترامب لوح به مرارا، إلا أنني أرى أن احتماليته باتت ضعيفة في المرحلة الراهنة، والأرجح أن تستمر الولايات المتحدة في سياسة الحصار كورقة ضغط بديلة".

إيران أمام خيارين لا ثالث لهما
وصف سليماني المشهد الإيراني بأنه "لحظة مفصلية لا تحتمل التردد"، مشيرا إلى أن طهران تجد نفسها اليوم أمام خيارين استراتيجيين حاسمين.
وفسر الخبير السياسي: "الخيار الأول هو أن تتجه إيران بجرأة نحو حلفائها الكبار، الصين وروسيا ودول البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتطالبهم بموقف حقيقي لا بتصريحات فارغة، المطلوب منهم تحديدا هو كسر الحصار الأمريكي عبر ممرات بديلة، سواء برية أو بحرية، لنقل المواد الأساسية إلى إيران بعيداً عن مناطق الحصار في الخليج وبحر عُمان والمحيط الهندي".
وتابع: "إذا فعلت هذه الدول ذلك، فإن الحصار الأمريكي سيتحول من أداة ضغط على إيران إلى عبء سياسي واقتصادي على واشنطن نفسها. الشعب الأمريكي والدول الحليفة لن يتحملوا طويلا تداعيات سياسة متهورة لا تُحقق أهدافها".
أما الخيار الثاني، فوصفه سليماني بأنه "الواقعي في ظل غياب الإرادة الدولية"، مضيفا: "إذا لم تجد إيران من يقف إلى جانبها بصدق، فعليها أن تعظم مكاسبها على طاولة التفاوض مع واشنطن، وتحصل على أفضل اتفاق ممكن، ثم تعيد رسم تحالفاتها على ضوء من وقف معها ومن تخلى عنها".

البترودولار في مواجهة البتروريال
انتقل سليماني إلى ما وصفه بـ"الورقة الأكثر تأثيرا على المدى البعيد"، وهي إعادة هيكلة منظومة التجارة الدولية بعيدا عن الهيمنة الدولارية.
وقال: "ما نتحدث عنه هنا ليس حلما أيديولوجيا، بل مشروع اقتصادي قابل للتطبيق. إذا توحدت دول البريكس ومنظمة شنغهاي وتركيا وإيران على استبدال البترودولار بعملات بديلة في تجارة الطاقة والسلع والنقل والتأمين، فإن النفوذ الأمريكي سيتآكل تدريجيا من قاعدته".
وأوضح: "إيران تملك ورقة استراتيجية لا يستهان بها، وهي مضيق هرمز، تعزيز موقفها في هذا الممر الحيوي، الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط العالمية، يمنحها نفوذا حقيقيا في أي ترتيب اقتصادي جديد".

أوروبا وروسيا.. فرصة لم تتكرر
في قراءة لافتة، دعا سليماني إلى إعادة النظر في العلاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، معتبرا أن الفوضى التي أحدثها ترامب في المنظومة الغربية فتحت نافذة نادرة.
وقال: "إذا تمكنت موسكو وبروكسل من تجاوز خلافاتهما وهواجسهما الأمنية، وقررتا بناء شراكة استراتيجية جديدة بعيدا عن الوصاية الأمريكية وحلف الناتو، فسيكون بإمكانهما معا إنشاء قطب دولي جديد يقيد النفوذ الأمريكي في أوروبا والشرق الأوسط وما وراءهما".
وأضاف في هذا السياق: "من أكبر المفارقات أن الحرب الروسية الأوكرانية قد تجد حلها في هذا الإطار الجديد. إذا انضمت أوكرانيا وروسيا معا إلى هذا التحالف الأوروبي البديل، فستنتفي المخاوف الأمنية المتبادلة، وستتوقف الحرب لأن دواعيها ستزول".

فرصة ترامب.. ذهب أم سم؟
وصف سليماني سياسات ترامب المتهورة بأنها "فرصة تاريخية مقنّعة في ثوب أزمة"، وأضاف: "ترامب واليمين الجمهوري المتطرف يزعزعان النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بأيديها، هذا الزلزال يخلق فراغا، وكل فراغ فرصة لمن يملك رؤية وإرادة".
وتساءل الخبير في الشأن الإيراني: "السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه موسكو وبكين وطهران وأنقرة وسواها على نفسها ليس: هل نستطيع بناء نظام دولي متعدد الأقطاب؟ بل: هل نحن مستعدون فعلاً للتنازل عن بعض خلافاتنا وأنانياتنا السياسية لتحقيقه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالنظام الأحادي الأمريكي في طريقه إلى مزبلة التاريخ، وهذه ليست مبالغة، بل قراءة في مسار الأحداث".



