الدكتورة روحية الجنش تكشف لـ نيوز رووم سبب تناول«دقيقة فقهية» للفتاوى النسائية
في زمن تتسارع فيه التحديات الفكرية والاجتماعية، تبرز مبادرات تسعى إلى إعادة ربط المرأة بمصادر المعرفة الدينية الموثوقة، ومن بين هذه المبادرات جاءت مبادرة دقيقة فقهية.
وهي أسئلة تطرحها المتابعات، وتجيب عنها الدكتورة روحية الجنش، أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر بالقاهرة، رئيس قسم القضايا المعاصرة بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا، وذلك من خلال فيديوهات تنشرها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي، ولمعرفة الهدف من هذه المبادرة، وأبرز محاور المبادرة، ومدى معرفة النساء بأحكام دينهن، جاء حوارنا مع صاحبة دقيقة فقهية، وإلى نص الحوار:
ما الدافع الأساسي وراء إطلاق هذه المبادرة الخاصة بالنساء والفتيات؟
الدافع الأساسي كان ملاحظة فجوة واضحة بين واقع النساء وأسئلتهن اليومية، وبين وصول الفتوى إليهن بطريقة سهلة ومباشرة؛ فكثير من النساء لديهن أسئلة دقيقة تمس عباداتهن وحياتهن الخاصة، لكن قد يمنعهن الحرج، أو عدم توفر المصدر الموثوق، من السؤال.
ومن خلال كونها أستاذة في تخصص البنات بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أدركت عن قرب مدى حاجة المرأة إلى معرفة تفاصيل دقيقة تتعلق بطهارتها وعبادتها، وهي أمور قد يصعب عليها أن تسأل فيها رجلا.
ومن هنا جاءت فكرة "دقيقة فقهية" لتقريب العلم الشرعي في صورة مختصرة، آمنة، ومناسبة لطبيعة المرأة، مع الحفاظ على التأصيل العلمي.
كما أن من دوافع هذه المبادرة أيضا إبراز ما في المذاهب الفقهية المعتمدة من مساحات معتبرة للتيسير، خفّ ضوؤها عند بعض الناس مع شيوع وجه واحد في الطرح، قد لا يكون هو الأنسب في بعض الوقائع التي تحتاج إلى مظلة رفع الحرج، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، فكان من المهم أن يصل إلى النساء خطاب فقهي منضبط، يراعي الدليل، ويحسن تنزيله على واقع الناس.
كيف ترين واقع معرفة النساء بأحكام دينهن في المجتمع اليوم؟
الواقع في الجملة مطمئن، ولا ننكر بفضل الله تعالى أن نسبة وعي المرأة المسلمة بأحكام دينها اليوم نسبة طيبة، وهناك حرص ظاهر على التعلم والسؤال والبحث عن الحكم الشرعي، خاصة في القضايا التي تمس عبادتها وحياتها اليومية.
لكن مع هذا الوعي العام تبقى بعض الفجوات في التفاصيل الدقيقة، ولا سيما في المسائل التي تتعلق بالمرأة على وجه الخصوص، إما بسبب الاعتماد على مصادر غير موثوقة، أو بسبب تلقي المعلومة بشكل مجتزأ عبر مواقع التواصل، مما يؤدي أحيانًا إلى تشدد في غير موضعه أو تساهل بغير علم.
كما أن بعض النساء قد يترسخ في ذهنها حكم فرعي من المسائل التي تتسع للاجتهاد والرأي الآخر، حتى يرتفع عندها من مرتبة الفروع إلى مرتبة الأصول المقطوع بها، فتضيق مساحة تقبلها لأي قول معتبر آخر. ومن هنا جاءت "دقيقة فقهية" لتبين أن كثيرًا من هذه المسائل فيه سعة معتبرة، وأن الفقه الإسلامي أوسع من أن يُختزل في وجه واحد، مع بقاء الالتزام بالأصول المعتبرة وأقوال أهل العلم.
ما أبرز المحاور أو الموضوعات التي تركز عليها الفتاوى المنشورة ضمن المبادرة؟
تركز مبادرة "دقيقة فقهية" على المسائل التي تمس حياة المرأة بصورة مباشرة، وفي مقدمتها ما يتعلق بأحكام الطهارة الخاصة بها، وعباداتها، وما تحتاج إليه في يومها من فقه عملي واضح وميسر.
كما تتناول بعض القضايا المرتبطة بالعلاقة الزوجية، والآداب العامة، وتصحيح المفاهيم الشائعة، ودرء الشبهات، والتعامل مع بعض النوازل أو الوقائع المعاصرة التي تحتاج إلى بيان شرعي منضبط.
والحرص في هذه المقاطع دائمًا أن يُقدَّم الحكم مقرونًا بدليله، وبأسلوب مبسط بعيد عن التعقيد، حتى تكون كل دقيقة نافعة، وتحمل للمتلقية معنى جديدا، أو تصحيحا مهما، أو فتحا في فهم مسألة ربما كانت تظنها على غير وجهها.
هل تواجهين تحديات أو انتقادات أثناء نشر الفتاوى؟
نعم، من أبرز التحديات طبيعة منصات التواصل نفسها، حيث يغلب عليها الطرح السريع والانطباعي، مما قد يؤدي إلى سوء فهم الفتوى أو اقتطاعها من سياقها، كما تظهر أحيانًا ردود فعل حادة بسبب ضعف ثقافة الاختلاف، فيُتعامل مع المسائل الاجتهادية وكأنها من القطعيات التي لا تقبل نظرًا ولا خلافًا، وهذا يتطلب جهدا إضافيا في التوضيح والتهدئة.
وقد تكون بعض المتابعات قد تلقت حكم المسألة من وجه واحد، فارتفع في وعيها من دائرة الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد إلى دائرة الأصول المقطوع بها، فتضيق مساحة القبول لديها لأي طرح آخر معتبر.
ويزيد الأمر تعقيدًا أن بعض الأقوال السائدة والمعمول بها بين الناس قد لا تستند في أصلها إلى دليل محرر، فإذا جاء الطرح عبر الفيديو مبينا سعة المسألة، وكاشفا عن وجود قول معتبر آخر، ظهر التباين في درجة القبول؛ فمنهن من تتقبل ذلك حين تقف على الدليل وتدرك وجه الاستدلال، ومنهن من يكون قد ترسخ في ذهنها حكم معين حتى تظل تردده من غير نظر في برهانه، ولا إعمال للعقل، ولا تروٍّ في فهم المسألة، ولا سيما إذا كانت متأثرة بشيخ أو داعية له حضور قوي على الشبكة، فتصبح المقارنة أحيانًا بين الأشخاص لا بين الأدلة، وبين الأسماء لا بين الأصول الفقهية.
كيف كان تفاعل النساء والفتيات مع هذه الخطوة؟
التفاعل – ولله الحمد – كان إيجابيا ومشجعا، وهناك إقبال واضح على طرح الأسئلة والمشاركة، مما يعكس حاجة حقيقية لهذا النوع من الطرح.
كما أن كثيرًا من الرسائل الواردة تعبّر عن شعور بالأمان في السؤال، وهذا في حد ذاته من أهم مؤشرات النجاح؛ لأن كثيرات منهن كنَّ يطبقن بعض الفروع والأحكام من غير معرفة واضحة بوجه الصواب فيها، فجاءت هذه المقاطع لتمنحهن قدرًا من الطمأنينة واليقين، ولتكون لهن مرحلة أمان علمي يتلقين فيها الحكم من أهل التخصص في صورة ميسرة وقريبة من واقعهن، خاصة أنني أحرص في هذه المقاطع على النزول إلى أرض الواقع، لتكون الفتوى ملاصقة لحركة حياة الناس، ومناسبة لتفاصيلها اليومية.
ما الأثر الذي تتمنين أن تتركه هذه المبادرة؟
أتمنى أن تسهم المبادرة في بناء وعي ديني متوازن لدى النساء، قائم على الفهم الصحيح لا مجرد التلقي، وأن تُعيد الثقة في طلب العلم من مصادره الموثوقة، مع ترسيخ ثقافة الرحمة والتيسير المنضبط، وفهم أن الشريعة جاءت لحفظ مصالح الناس لا لتعقيد حياتهم.
كما أتمنى أن تعيد هذه المبادرة الثقة في التراث الفقهي وأقوال المذاهب المعتبرة التي أفنى أئمتها أعمارهم في خدمة هذا الدين، ومن المهم كذلك أن تُسهم هذه المبادرة في تنمية الوعي بأن بعض الأحكام قد تتغير فتاواها بتغير أعراف الناس وتقاليدهم وأحوالهم، فما كان مبنيًا على عرف خاص أو واقع معين لا يلزم أن يبقى على الصورة نفسها في كل زمان ومكان، وهذا من دلائل سعة الشريعة وصلاحيتها لكل عصر.
ولهذا قرر أهل العلم أن الأحكام المبنية على العرف قد تتغير بتغير الزمان، كما ينبغي التمييز بين قول قيل في واقعة مخصوصة أو بيئة مخصوصة، وبين حكم أو أصل يصلح أن يُعمم في كل وقت، حتى يبقى الفقه حيًّا متصلًا بالواقع، منضبطًا بالأصول، بعيدًا عن الجمود من جهة، وعن التسيب من جهة أخرى.



