في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط وآسيا، تبرز باكستان كأحد أكثر الأطراف تعقيدًا في إدارة علاقاتها الخارجية، إذ تقف بين تحالف استراتيجي مهم مع السعودية، وجوار جغرافي وأمني حساس مع إيران، في وقت تتداخل فيه حسابات الولايات المتحدة والصين والهند وإسرائيل في إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
هذه المعادلة لا تُفهم فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل من زاوية الأمن القومي. فباكستان دولة نووية تمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط جنوب آسيا بالخليج، وتجاور إيران عبر حدود طويلة في إقليم بلوشستان، وهي منطقة ذات هشاشة أمنية مزمنة. أي توتر مع إيران لا يبقى خارج الحدود، بل ينعكس مباشرة على الداخل الباكستاني، سواء عبر الأمن الحدودي أو الاستقرار الاجتماعي أو تدفقات التجارة والطاقة.
تاريخيًا، كانت باكستان جزءًا من المنظومة الاستراتيجية للولايات المتحدة، خصوصًا خلال الحرب الباردة ثم الحرب في أفغانستان. لكن هذا الدور تراجع تدريجيًا مع تحول الاهتمام الأمريكي نحو الهند، وتنامي الشراكة الاستراتيجية بين باكستان والصين، ما دفع إسلام آباد إلى إعادة صياغة موقعها بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، أصبحت باكستان تميل إلى سياسة “الحياد النشط”، أي عدم الانخراط في محاور صدامية، مع الحفاظ على القدرة على التأثير في مسارات التهدئة. فالعلاقة مع السعودية تمثل ركيزة أساسية، تقوم على الدعم المالي والاستثماري والتعاون الدفاعي، إضافة إلى الروابط الاجتماعية والعمالية التي تشكل شريانًا اقتصاديًا مهمًا للاقتصاد الباكستاني.
وقد تعزز هذا البعد الاقتصادي من خلال دعم سعودي متجدد، حيث تستعد السعودية لتقديم وديعة مالية جديدة بقيمة 3 مليارات دولار إلى باكستان لدعم الاستقرار النقدي والمالي، في إطار علاقات اقتصادية تعكس عمق الترابط بين البلدين، خصوصًا في فترات الضغوط الاقتصادية التي تمر بها إسلام آباد.
لكن هذا التحالف مع السعودية لم يتحول إلى التزام عسكري مفتوح. فقد سبق لباكستان أن رفضت الانخراط المباشر في حرب اليمن، رغم الضغوط السياسية، مفضلة عدم التورط في نزاعات خارج نطاق أمنها المباشر. وهذا الموقف يعكس بوضوح أن القرار الباكستاني تحكمه حسابات المصلحة الوطنية وليس الاصطفاف العاطفي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن العلاقة مع إيران ليست خيارًا سياسيًا بقدر ما هي ضرورة جغرافية. فاستقرار الحدود في بلوشستان، والتنسيق الأمني، والتجارة الحدودية، وملفات الطاقة، كلها تجعل من العلاقة مع طهران عنصرًا حاسمًا في الأمن القومي الباكستاني. لذلك، فإن أي انهيار في هذه العلاقة ستكون له كلفة مباشرة على الداخل.
وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع دخول العامل الصيني، حيث تمثل الصين ركيزة اقتصادية وأمنية كبرى من خلال مشاريع الممر الاقتصادي، ما يجعل استقرار المنطقة شرطًا لحماية استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.
في الخلفية، يظل التنافس الهندي–الباكستاني عنصر ضغط دائم، خاصة مع تنامي العلاقات الدفاعية بين الهند وإسرائيل، وهو ما يزيد من شعور باكستان بأنها محاطة ببيئة استراتيجية معقدة ومتداخلة.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فقد انتقلت من شراكة وثيقة إلى علاقة أكثر براغماتية، في ظل تراجع الاعتماد المتبادل وصعود أولويات جديدة لواشنطن في آسيا، ما دفع باكستان إلى تنويع خياراتها وتعزيز استقلال قرارها.
أمام هذا التشابك، لا تبدو باكستان في موقع اختيار طرف على حساب آخر، بل في موقع إدارة توازن دقيق بين أطراف متناقضة. فهي لا تستطيع خسارة السعودية، ولا استفزاز إيران، ولا الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، ولا تجاهل شراكتها مع الصين.
وتبقى الفكرة الأساسية أن باكستان تتحرك ضمن سياسة “الحياد النشط”: دعم الاستقرار، وتجنب الحروب، والسعي إلى لعب دور الوسيط أو قناة التهدئة كلما أمكن، بدل التحول إلى ساحة صراع بين المحاور.
في النهاية، لا تبحث باكستان عن موقع داخل معسكرات الصراع، بل عن معادلة بقاء خاصة بها، تقوم على التوازن لا الاصطفاف، وعلى إدارة التحالفات الصعبة بدل الانجرار إلى تناقضاتها.

