عاجل
إدريس إحميد
إدريس إحميد

يشهد لبنان اليوم مرحلة حرجة، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع عدوان خارجي مستمر، ما يضع الدولة والمجتمع أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على مواجهة المخاطر دون الانجرار إلى فتنة داخلية، فالحرب الإقليمية، التي أثرت على غزة سابقًا، تركت بصماتها على لبنان، حيث القصف لا يفرق بين مؤيد للمقاومة أو رافض لها، ويهدد استقرار المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية.
نشهد اليوم بوادر صدام مسلح محتمل بين حزب الله والدولة، في ظلّ حرص المقاومة على السلم الأهلي، لتجنب خسارة الداخل وعدم إعطاء ذريعة للفتن التي يسعى إليها بعض الأطراف اللبنانية بدعم صهيوني مباشر. وإذا حدث تصعيد، قد تجد المقاومة نفسها مضطرة للدفاع عن وجودها، حفاظًا على توازن القوى واستقرار لبنان الداخلي.
الرئيس ورئيس الحكومة تم اختيارهما في ظروف دقيقة وبضغط أمريكي لأداء مهام تتطلب توازنًا دقيقًا بين السيادة الوطنية والمصالح الدولية. هذا الواقع لا يقلل من وطنيتهم، لكنه يظهر أن السياسة اللبنانية اليوم تقوم على خيارات محدودة وضرورية للتعامل مع الواقع المعقد.
بغض النظر عن الماضي والتدخلات الخارجية، يظل الأهم أن لبنان ابتلي بمسيرة طويلة في الصراع مع العدو الصهيوني، وقدّم تضحيات كبيرة من أجل القضية الفلسطينية. لبنان كان الواجهة الأولى لرد وهزيمة العدو الإسرائيلي لأول مرة في تاريخه، كما حدث في حربَي 2000 و2006، حين أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان والهروب من أراضيه. كل ذلك لن ينساه العدو، وسوف يبدأ في تصفية حساباته إذا تمكن من التغلب على حزب الله، كما يرددون. وحتى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام أكد أن ما حدث لقوات البحرية الأمريكية في لبنان في الثمانينات لن يُنسى، وأن الإسرائيليين سيحاسبون على كل جندي في أي مواجهة مستقبلية. هذا هو منطق القوة الذي ينتظر شعوب المنطقة ما لم تستفق الدول العربية العاجزة عن الدفاع عن نفسها. والحق أنه إذا كانت إيران عدوًا، فالإسرائيلي هو العداء نفسه، بلا هوادة.
المقاومة اللبنانية أثبتت تاريخيًا قدرتها على مواجهة إسرائيل وفرض ردع استراتيجي، وحتى بعد أي خسائر أو عمليات كبرى مثل “طوفان الأقصى” وقتل قياداتها، تظل قادرة على العودة والمواجهة بشكل مفاجئ، واستئناف القصف على الأراضي الإسرائيلية. أي عملية عسكرية في الجنوب لن تكون سهلة، وستحمل مخاطر تصعيد كبيرة على الداخل اللبناني والإقليم.
المبادرة الفرنسية الأخيرة لم تجد قبولًا من جانب المقاومة أو إسرائيل، ما يؤكد أن الحلول الدبلوماسية وحدها لن تغيّر المعادلة، وأن أي استقرار أو تسوية سيكون على الأرض، من خلال التوازن العسكري والسياسي بين الأطراف اللبنانية والمقاومة والعدو الخارجي، وليس عبر الوساطات الدولية المتعثرة.
الأزمة الداخلية تتفاقم بفعل احتمال تدخل قوات  مسلحي سوريا،بأوامر  أمريكا  لمحاولة تصفية الحسابات مع حزب الله، وهو ما قد يحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة جديدة، ويزيد تعقيد المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي.
الموقف الدولي متشتت ومنقسم، غير قادر على التعامل مع اتساع نطاق الحرب أو تعدد الجبهات، ما يزيد من إحباط الدولة اللبنانية ويضعها أمام خيارات محدودة، بينما العدوان مستمر والتحديات الداخلية تتعاظم. كل اللبنانيين مستهدفون بالقصف، ولا يفرق العدوان بين مؤيد للمقاومة أو رافض لها. أي تصعيد يؤدي إلى تعطيل الاقتصاد، تدمير البنية التحتية، وزعزعة الاستقرار الوطني، ويضع لبنان في محور الأطماع الإقليمية الواضحة.
السؤال الأكبر المطروح الآن: هل يستطيع اللبنانيون تجاوز مصالحهم الطائفية الضيقة واستيعاب حجم الخطر الذي يهدد الجميع؟ أم ستستمر الصراعات الداخلية في تفتيت المجتمع وإضعاف الدولة، وتسهيل التدخلات الخارجية واستغلال الأزمة؟ التاريخ يعلم أن أي شلل داخلي يعيد لبنان إلى سيناريوهات الحرب والفوضى، ويقلص فرصه في الحفاظ على استقراره ودوره الإقليمي.
اليوم، أمام اللبنانيين فرصة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، وتعزيز دور لبنان في محيطه الإقليمي، بعيدًا عن المصالح الضيقة، وتحت سقف وعي جماعي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. هذه اللحظة تتطلب نضجًا سياسيًا واجتماعيًا لمواجهة التحديات، قبل أن تتحول الأزمة إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها، مع العلم أن لبنان والمقاومة لن تُنسى إنجازاتهما التاريخية في مواجهة العدو الصهيوني، وسوف يظل العدو يحسب لهما ألف حساب، ولن يتردد في تصفية حساباته إذا استطاع، وفق منطق القوة الذي يتعامل به مع شعوب المنطقة.

تم نسخ الرابط