في ظل اهتمامي المتواصل بالشأن الأوروبي، وما أتيح لي من زيارات سابقة إلى المجر، حيث تركت لدي انطباعاً إيجابياً عن طبيعتها وتجربتها السياسية والاجتماعية، إلى جانب متابعة مستمرة لأخبارها عبر الأصدقاء وبعض المصادر، تأتي هذه القراءة لفهم التحول السياسي الذي تشهده البلاد اليوم بعد فوز زعيم حزب «تيسا» بيتر ماديار، وما قد يعنيه ذلك من بداية مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للمجر.
في تحول سياسي يعد من أبرز التحولات داخل أوروبا خلال السنوات الأخيرة، شهدت المجر لحظة مفصلية مع فوز زعيم حزب «تيسا» بيتر ماديار، في انتخابات وصفت بأنها بداية نهاية مرحلة طويلة من حكم اليمين المحافظ بقيادة فيكتور أوربان، وبداية مرحلة سياسية جديدة تحمل وعوداً بإعادة تشكيل المشهد السياسي من جذوره.
هذا الفوز لم يُقدَّم من جانب ماديار باعتباره تغييراً حكومياً تقليدياً، بل جاء محمّلاً بخطاب واضح يتحدث عن «عصر جديد»، يتجاوز حدود تبديل السلطة إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، بما يشمل القضاء والإعلام والإدارة العامة.
نهاية مرحلة أوربان وبداية اختبار جديد
يمثل هذا التحول السياسي تحدياً مباشراً لمسار طويل قاده رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي حكم البلاد لأكثر من 16 عاماً، وتميزت سياساته بمزيج من التشدد في قضايا الهجرة، وتعزيز سلطة الدولة المركزية، وتوترات متكررة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وخلال تلك المرحلة، نجح أوربان في بناء نموذج سياسي خاص به داخل أوروبا، قائم على فكرة «الديمقراطية غير الليبرالية»، وهو النموذج الذي أصبح محل انتقاد واسع من بروكسل ومن عدد من العواصم الأوروبية.
لكن فوز المعارضة بقيادة ماديار يعكس حالة تعب داخل الشارع المجري من الاستقطاب السياسي، ورغبة في إعادة التوازن بين السلطة والمعارضة.
مشروع ماديار: إعادة تأسيس النظام السياسي
لم يكتفِ زعيم المعارضة بيتر ماديار بخطاب التغيير، بل طرح تصوراً لإعادة بناء النظام السياسي عبر:
تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء
مكافحة الفساد وإعادة هيكلة المؤسسات
إعادة توجيه السياسة الداخلية والخارجية نحو انسجام أكبر مع الاتحاد الأوروبي
السياسة الخارجية: تحولات مرتقبة في أكثر الملفات حساسية
أولاً: القضية الفلسطينية
في عهد أوربان، اتسم الموقف المجري بدعم واضح للكيان الإسرائيلي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
أما في المرحلة الجديدة، فمن المتوقع أن تتجه المجر إلى مقاربة أكثر توازناً تنسجم مع الموقف الأوروبي العام الداعي إلى حل الدولتين، مع إعادة ضبط الانحيازات السابقة دون قطيعة كاملة.
ثانياً: العلاقات مع الولايات المتحدة
شهدت فترة أوربان تقارباً واضحاً مع الإدارة الأمريكية السابقة، خاصة في ملفات الهجرة والسيادة الوطنية.
وفي المرحلة الجديدة، يُتوقع أن تعود المجر إلى نهج أكثر مؤسساتية داخل حلف الأطلسي، مع تقارب أكبر مع سياسات الاتحاد الأوروبي.
ثالثاً: روسيا وأوكرانيا
كانت المجر في عهد أوربان أكثر تحفظاً تجاه دعم أوكرانيا والعقوبات على روسيا.
أما التوجه الجديد، فمن المرجح أن يشهد تقارباً أكبر مع الموقف الأوروبي الجماعي، مع استمرار بعض التحفظات المرتبطة بالطاقة والأمن القومي.
أوروبا بين الارتياح والحذر
على المستوى الأوروبي، يُنظر إلى هذا التحول باعتباره فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع بودابست، خصوصاً في ملفات التمويل والهجرة والدعم لأوكرانيا.
لكن في المقابل، يبقى هناك حذر من سرعة التغيير الداخلي واحتمالات حدوث صدام سياسي أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.
انقسام الرأي العام داخل المجر
تظهر بعض القراءات من داخل المجتمع المجري وجود انقسام واضح في الرأي العام تجاه كل من رئيس الوزراء فيكتور أوربان وزعيم المعارضة بيتر ماديار، يعكس طبيعة الاستقطاب السياسي داخل البلاد.
ففي هذا السياق، يرى بعض المواطنين أن سياسات فيكتور أوربان، رغم ما أُثير حولها من انتقادات تتعلق ببعض ملفات الحكم خلال جائحة كوفيد وقضايا الفساد، قد ارتبطت في نظرهم بحماية السيادة الوطنية، وتشديد إجراءات الهجرة، وتبني نهج مستقل نسبياً في السياسة الخارجية، إلى جانب سياسات اجتماعية واقتصادية استفادت منها شرائح واسعة مثل الأسر والمتقاعدين والشباب.
كما يشير هذا الاتجاه إلى أن تلك السياسات ساهمت في تعزيز الاستقرار الداخلي وتحسين بعض المؤشرات المعيشية.
في المقابل، تنظر فئات أخرى إلى بيتر ماديار باعتباره وجهاً جديداً في الحياة السياسية، إلا أن بعض الأصوات المتحفظة ترى أنه يفتقر إلى الخبرة الكافية لإدارة الدولة في هذه المرحلة، وتبدي مخاوف من توجهات قد تزيد من ارتباط المجر بمؤسسات الاتحاد الأوروبي على حساب هامش الاستقلال السياسي.
كما تُطرح تساؤلات داخل هذا السياق حول دور الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام خلال العملية الانتخابية، وهو ما يعكس حجم الجدل المحيط بهذه المرحلة الانتقالية.
ومع ذلك، تبقى هذه الآراء جزءاً من مشهد مجتمعي منقسم، لا يمكن اختزاله في حكم واحد، بل يعكس تبايناً بين رؤيتين: إحداهما ترى في الاستمرارية ضماناً للاستقرار، وأخرى تعتبر التغيير ضرورة لإعادة التوازن السياسي.
مرحلة اختبار حقيقية
بين خطاب «العصر الجديد» الذي يرفعه ماديار، وإرث سياسي طويل بناه أوربان، تقف المجر أمام مرحلة اختبار حقيقية. فنجاح الانتقال السياسي لن يعتمد فقط على صناديق الاقتراع، بل على قدرة القيادة الجديدة على إدارة دولة منقسمة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
وفي النهاية، تبدو المجر اليوم أمام سؤال أكبر من مجرد تغيير حكومة: هل هي بصدد إعادة تعريف نظامها السياسي بالكامل، أم أنها تعيش فقط دورة جديدة من التوازن داخل دولة أوروبية معقدة الموقع والدور؟

