أسباب اقتصادية تدفع فرنسا لرفض المشاركة في الحرب على إيران.. ما هي؟
في ظل التصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط، تتبنى فرنسا موقفا حذرا يرفض المشاركة في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل يأتي نتيجة قراءة عميقة للتداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تنجم عن هذه الحرب على الاقتصاد الفرنسي، الذي يعاني أصلا من أوضاع مالية حرجة.
المالية العامة الفرنسية في خطر
حسب جريدة "ليزيكو" المختصة بالشأن الاقتصادي الفرنسي، فإن الحرب في إيران قد تُلحق ضررا بالغا بالمالية العامة الفرنسية.
ففرنسا تعاني أصلا من وضع مالي حرج، بعد خمسة عقود من العجز المتراكم وتراجعين حادين في عامي 2023 و2024، والتداعيات المالية للصراع في الشرق الأوسط ستزيد من تعقيد عملية تعافي هذه الحسابات، وتضع الحكومة أمام تحديات إضافية في وقت هي بأمس الحاجة إلى الاستقرار المالي.
في تقرير خاص صدر صباح اليوم، أكدت "ليزيكو" أن الاقتصاد الفرنسي سيواصل خسارته في حال استمرار هذه الحرب.
وبين تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفائدة، نشر معهد "ريكسكود" توقعات جديدة مثيرة للقلق، مفادها أن عبء الفائدة قد يتضاعف خلال خمس سنوات، ليرتفع من حوالي 60 مليار يورو إلى 120 مليار يورو، أو ما يقارب 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2030.
إجراءات حكومية غير كافية
في محاولة لتفادي الأسوأ، أعلنت الحكومة الفرنسية عن حزمة مساعدات للمهنيين في أبريل لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود. وتم تخصيص مبلغ 70 مليون يورو لهذه الحزمة، لكنها تقتصر على شهر أبريل فقط.
وقد قررت الحكومة اتخاذ إجراءات إضافية يوم الجمعة 28 مارس، حيث تستهدف هذه التمويلات القطاعات الأكثر تضرراً من أزمة الطاقة.
بدأت شركات النقل البري، وأساطيل الصيد، والشركات الزراعية في الاستعداد خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع لمواجهة ارتفاع الأسعار، لكن هذا الإجراء الطارئ لا يشمل سائقي السيارات، وخاصة من يقطعون مسافات طويلة، مما يثير استياءً لدى قطاعات واسعة من المجتمع.

استياء القطاعات المتضررة
تُثير هذه الإجراءات المحلية استياء لدى القطاعات غير المتضررة بشكل مباشر، والتي تشعر بالغبن، لا سيما بين أصحاب الأعمال الحرة والشركات الصغيرة، فجميع قطاعات الاقتصاد تخاطر بالتأثر بالحرب في الشرق الأوسط.
حذرت مونيك روبان، المتحدثة باسم بائعي الأسواق في فرنسا، في حديثها لصحيفة "أناييس ماتان": "نحن بحاجة إلى سياراتنا، فكل زيادة في الأسعار تعني ارتفاعا في التكاليف. إنها زيادة في الأسعار على المستهلكين، وهو ما لا نريده".
وأكدت قائلة: "لسنا نطلب صدقة. لكننا نعتقد أنه من الممكن تنظيم ضرائب الوقود. سيكون هذا أقل ما يمكننا فعله، وهو مراعاة الشركات الصغيرة التي نمثلها، وأهمية أسواقنا".
قطاعات رئيسية على حافة الهاوية
يرى ممثلو القطاعات المختلفة أن المساعدات الحكومية غير كافية على الإطلاق، ففي قطاع النقل البري، الذي يحصل على الحصة الأكبر (50 مليون يورو، أي ما يعادل 20 سنتا للتر الواحد)، سيظل الوضع صعباً خلال الشهر المقبل. وستُخصص المساعدة بشكل أساسي للشركات المتعثرة.
يوضح جان مارك ريفيرا، المندوب العام لمنظمة النقل البري الأوروبية: "يمثل الوقود في المتوسط 30% من نفقات شركات النقل البري. إنه بند بالغ الأهمية، ولا شك أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود".
أما بالنسبة للصيادين، فتبلغ المساعدة أيضا 20 سنتا للتر الواحد، لكن الوضع مقلق للقطاع بأكمله، وفقا للنقابات.
يحذر جيروم جوردان، نائب الأمين العام لاتحاد مالكي سفن الصيد الفرنسيين، في حديثه لإذاعة RMC: "بالنسبة للبعض، قد يؤدي هذا إلى توقف سفن الصيد عن العمل. بل قد يتوقف قطاع بأكمله، وصولاً إلى المستهلك".
وبالنسبة للمزارعين، تطبق الحكومة ما يعادل تخفيضا قدره أربعة سنتات للتر الواحد، وهو ما وصفه لوك سميسارت، نائب رئيس الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين، بأنه "لا يحصلون إلا على الفتات".

ثقافة الشعب الفرنسي في مواجهة الأزمات
رغم هذه الصعوبات، تبذل فرنسا جهودا كبيرة، بالرغم من انتهاجها سياسة التقشف لتقليل الإنفاق العام، والحكومة تراهن على ثقافة الشعب الفرنسي في التعامل مع الأزمات، كما حدث إبان أزمة كورونا وأزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية.
هذه التخوفات الفرنسية وحرصها على عدم الانجراف إلى الحرب تدفعها إلى تقديم دعم استثنائي للقطاعات المتضررة، مع إدراك تام أن أي انزلاق نحو التصعيد قد يتسبب في أزمة عالمية جديدة، إلى جانب أزمة الطاقة وموجات الهجرة التي قد تعصف بالقارة العجوز.
ماكرون يرفض المشاركة.. وإدراك للعبة المصالح
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدرك أن الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تلعب لعبة مصالح مع روسيا، حيث يسعى ترامب إلى نوع من التصالح مع موسكو، بينما يدفع في الوقت نفسه نحو تصعيد عسكري مع إيران بالتعاون مع إسرائيل.
ماكرون، الذي حذر طويلا من مخاطر حرب إقليمية شاملة، أدرك أن سياسة ترامب تسير في هذا الاتجاه، وأن التداعيات ستكون كارثية اقتصاديا على فرنسا والعالم، ولهذا السبب، رفض الرئيس الفرنسي مشاركة فرنسا في هذه الحرب، مفضلا خيار التهدئة والدبلوماسية على خيار التصعيد العسكري.

ارتفاع شعبية ماكرون ولوكورنو
هذا الموقف للرئيس الفرنسي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في شعبيته، فقد ارتفعت نسبة تأييد ماكرون في الأشهر الأخيرة، لتصل إلى 32% في مارس وفقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة "تولونا-هاريس التفاعلية" لصالح قناة LCI.
يمثل هذا الارتفاع زيادة بمقدار أربع نقاط في شهر واحد، وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، كما شهدت نسبة تأييد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ارتفاعاً طفيفاً، لتصل إلى 37%.
هذه الأرقام تعكس تأييدا شعبيا لموقف الحكومة الرافض للانخراط في الحرب، وإدراكا من الفرنسيين بأن بلادهم تختار طريق العقل والحكمة في وقت تتزايد فيه دعوات التصعيد.

السؤال الأخير.. هل تنجح فرنسا؟
يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح جهود فرنسا، بالتعاون مع عدد من الدول، في إنهاء الحرب سريعا قبل أن تؤدي الأحداث إلى أزمة عالمية جديدة؟
فرنسا تراهن على قدرتها الدبلوماسية، وعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف، لدفع عجلة التهدئة وإعادة فتح قنوات الحوار، لكن في ظل استمرار التصعيد وتشابك المصالح الدولية، يبقى الطريق طويلا وشاقا.
النجاح يتطلب إرادة سياسية من جميع الأطراف، وإدراكا أن الحرب لا يمكن أن تكون حلا لأي من الأزمات التي تعصف بالمنطقة.

