لا أحد من المتابعين للشأن الفرنسي يستطيع أن ينكر أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد غير وجه السياسة الفرنسية الداخلية، وخلصها من قطبيْن كانا يؤثران في ترتيب البيت الفرنسي من الداخل، من خلال التنافس تارة، والتعايش تارة أخرى، وتناوب الجلوس على عرش قصر الإليزيه (الرئاسة) تارة، وقصر ماتينيون (رئاسة الوزراء) تارة أخرى.
منذ أن دخل قصر الإليزيه، قام إيمانويل ماكرون بتفريغ أكبر حزبين تاريخيين في تاريخ الجمهورية الخامسة: الحزب الجمهوري اليميني (حزب ديغول وشيراك)، والحزب الاشتراكي العريق (حزب فرانسوا ميتران). وقام بضم أهم رموز هذا الحزب أو ذاك في حزب وسطي لم يكن له دور رئيسي في السابق سوى كونه حزبًا ينضم لهذين الحزبين، ليكون له دور مكمل وليس مؤثرًا.
يبدو أن قيام ماكرون بتفريغ هذه الأحزاب، ورغم أنه منحه قوة في بداية حكمه، إلا أنه تسبب في حالة احتقان وكراهية من ممثلي هذه الأحزاب تارة له، وامتنان وشكر غير معلن من قادة أحزاب أقصى اليمين مثل حزب "التجمع الوطني" لمارين لوبان وجوردان بارديلا، وأقصى اليسار لجان لوك ميلانشون تارة أخرى.
ونحن نرى أنهما أكبر حزبين يظهران في الساحة الآن، بالرغم من أن معظم الشعب الفرنسي ليست لديه أفكار متطرفة، لكن فشل كتلة الوسط الآن بقيادة ماكرون في توفير الحلول لمشاكلهم الداخلية، وترك الأحزاب العريقة بالأمس الساحة لهذه الأحزاب (المتطرفة) لتأخذ مكانها، رغم توجهاتها العنصرية تارة ("التجمع الوطني") والانفصالية اليسارية تارة أخرى ("فرنسا الأبية").
وهذا يظهر جليًا من خلال استطلاعات الرأي التي تظهر أن حزب اليمين المتطرف في طريقه إلى قصر الإليزيه بعد عام. والانتخابات المحلية الجارية الآن أظهرت أن حزب "فرنسا الأبية" سيكون له الحكم في من يجلس في بلديات المدن الفرنسية المهمة والكبرى مثل باريس ومرسيليا وليون.
ماكرون بين نجاحات الخارج وإخفاقات الداخل
بالرغم من إخفاق الرئيس الفرنسي في إيجاد حلول لأزمات داخلية، حاول تسخير جهوده لحلها، ووضع على عاتقه إيجاد حلول رئيسية لها، واتخذ خطوات شجاعة للانتهاء منها، وكاد أن يصل إلى حلها نهائيًا، مثل مشكلة البطالة والتوظيف.
فاستخدم ماكرون سياسة تقليل الضرائب عن الشركات، بل ومنح هذه الشركات الكثير من الامتيازات في حالة توظيف الشباب. كما غيّر قانون العمل الفرنسي الذي كان دائمًا يأتي في صالح العمال ضد الشركات. وهنا دخل ماكرون "عش الدبابير"، فخرجت له الفيدراليات العمالية تارة، والحقوقية تارة أخرى، وتحرك الشارع الفرنسي ضده في تظاهرات "السترات الصفراء".
نعم، نجح ماكرون في تقليل أعداد العاطلين عن العمل من خلال التوظيف وتقليل الامتيازات لمن لا يعمل. وفي هذا الوقت الذي بدأت فيه فرنسا تحقق تقليل الخسائر في موازنتها، جاءت حرب أوكرانيا التي نسفت كل الجهود التي بذلها الرئيس الفرنسي، بل زادت الطين بلة.
بالرغم من جهوده التي بذلها من أجل احتواء روسيا وعدم الدخول في صراع بينها وبين القارة العجوز، وتابعنا عدة زيارات له لموسكو وتصريحات مهادنة لها مثل "لا لإذلال روسيا"، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل لأسباب اعتبرها مقصودة؛ لأن الهدف كان تركيع القارة العجوز وإنهاكها اقتصاديًا عبر باب الطاقة. وقد تسببت الأزمة الروسية الأوكرانية في ذلك.
ليقود ماكرون سفينة الاتحاد الأوروبي ويعاود فكرته التي طرحها في بداية فترته عام 2017 عندما نادى الأوروبيين بإنشاء جيش أوروبي موحد، والتي رفضها الأوروبيون إبانها، بل انتقدوها وكانت على رأسهم ألمانيا.
ماكرون وسياسة "رابح رايح"
في الوقت الذي بدأت فيه الحرب على أوكرانيا، وتزايد العداء لفرنسا من خلال بعض الدول الأفريقية (المستعمرات الفرنسية السابقة)، والتي تم عبر روسيا تارة والصين وحتى الشريك الولايات المتحدة تارة أخرى، عن طريق تأجيج مشاعر الكراهية تجاه فرنسا باسترجاع ماضيها الاستعماري في هذه الدول، أدرك ماكرون أن هذه المرحلة وهذا الملف سيحرج فرنسا.
فقام بسحب قواته من دول الساحل من خلال عملية تنسيقية وتغيير في سياسة فرنسا في أفريقيا، والاكتفاء بتقديم التدريبات لبعض قوات هذه الدول. وطالب ماكرون الأوروبيين بأهمية التعاون مع القارة السمراء بمزيد من الاحترام وبدون نظرة متعالية، من خلال المصالح المتبادلة. وحذّر ماكرون القارة السمراء مما سماه "خطورة الدول الإمبريالية عليها"، قاصدًا روسيا، والتي كانت وراء هذا الخروج المهين لفرنسا من أفريقيا.
ماكرون والشرق الأوسط: مصر مركز التوازن
بدأ ماكرون يتجه إلى منطقة الشرق الأوسط، فاتخذ من مصر مركزًا لتحقيق التوازن في هذه المنطقة، كونها دولة استراتيجية يقودها رجل قوي (الرئيس السيسي) يمتاز بالتريث والهدوء والذكاء، ويتمتع بفن تجاوز الأزمات وعدم الصدام.
ماكرون والسيسي: يحذّران العالم من خطورة حرب إقليمية لن ينجو منها أحد
بعد أحداث السابع من أكتوبر، والتي تم رسمها من خلال قوى لها مصالح في إغراق المنطقة في حرب كارثية لم ينتبه لها سوى ماكرون والسيسي، جاءت المطالبات بأهمية وقف الاعتداءات المستفزة وغير المسبوقة من قبل إسرائيل والجرائم التي ارتكبت بحق أهل غزة.
وكانت زيارة ماكرون لمصر الشهيرة الفضل في تغيير وجهة النظر والرؤية الفرنسية، ووقوف فرنسا في وجه إسرائيل بقوة. وتسبب هذا في احتقان العلاقات بين فرنسا والكيان، حيث تم على إثرها استدعاء السفير الإسرائيلي لدى باريس.
وبدأت آلة التشويه ضد الرئيس الفرنسي من قبل بعض وسائل الإعلام الفرنسية، حيث تمثل مراكز قوى يمتلكها عدد من رجال الأعمال الذين لهم مصالح بشكل غير مباشر فيمن يتحكمون في إدارة شؤون العالم.
حرب إيران وموقف فرنسا
ونحن اليوم نشهد حرب إيران، وبالرغم من تعامل الإعلام الفرنسي المغلوط مع إدارة هذا الملف، وإظهاره للفرنسيين بأن إسرائيل تدافع عن نفسها وعن وجودها بسبب سياسات الدولة الإيرانية ممثلة في الحرس الثوري، متناسين أن الخميني الذي كان يعيش في فرنسا جاء إلى طهران على متن طائرة "إير فرانس" منذ أربعين عامًا تقريبًا.
وقفت فرنسا والرئيس ماكرون تندد بخطورة هذه الحرب، بل والمطالبة بإيقافها فورًا. وبالرغم من استياء وهجوم وسائل الإعلام الفرنسية لسياسة الرئيس ترامب وعدم وضوحها وتغيرها، إلا أنها أظهرت مطالبة الرئيس الأمريكي مباشرة للرئيس ماكرون بإرسال قواته إلى مضيق هرمز لضمان سير حركة الملاحة ومنع زيادة أزمة الطاقة.
وأظهرت أيضًا الرد الفرنسي الذي جاء سريعًا رافضًا، مرددًا على لسان ماكرون: "لسنا جزءًا من هذه المشكلة أو الحرب... نحن يمكن أن نكون جزءًا من الحل. سنذهب إلى هناك في حالة وقف الحرب فوزًا بل وإيجاد حل دبلوماسي من خلال المفاوضات... الأزمة الاقتصادية العالمية بسبب ارتفاع أسعار البترول والخروج بأقل الخسائر."
الشعب الفرنسي وفن التعامل مع الأزمة
مما لا يدع مجالًا للشك أن ظروف الحرب الحالية ستكون لها تداعيات كارثية على معظم دول العالم، وأهم هذه التداعيات هي اقتصادية. وبسبب ارتفاع أسعار الوقود والغاز، سترتفع أسعار السلع الأساسية. وقد بدأت تظهر في الأفق الكثير من القطاعات، منها قطاع النقل وقطاع الزراعة وقطاع الصيد، وارتفعت أسعار بعض السلع منها الخضروات والأسماك واللحوم.
مما قد يؤثر على حياة المواطن العادي أو الأكثر هشاشة، بل وعلى بعض الشركات الصغيرة نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب زيادة أسعار المحروقات.
والحكومة الفرنسية بقيادة سباستيان لوكورنو تجد نفسها في موقف صعب، لأنها اتخذت منذ شهر قرارات تقشفية لتقليل الخسائر بالموازنة العامة للبلاد. تجد نفسها مطالبة بالتدخل لإنقاذ بعض الشركات ومساعدة بعض الأشخاص الأكثر تضررًا وفقرًا، بالرغم من تحذيرات فرانسوا فيليروا دو غالو (مدير بنك فرنسا) البنك المركزي الفرنسي بعدم التدخل، لأن هذا التدخل سيزيد الأمر سوءًا للاقتصاد الفرنسي.
إلا أن الحكومة الفرنسية تراهن على وعي وثقافة الفرنسيين بالقيام بالتقشف، وعدم استخدام سياراتهم، ومحاولة تقليل استخدامهم للغاز، وبصفة خاصة أنه تم الإعلان عن رفع سعره اعتبارًا من أبريل القادم بنسبة 30% على مستوى أوروبا.
إلا أن فرنسا تدرك جيدًا، وشعبها قبل الحكومة، أن هذا أمر واقع وأن الأزمة عالمية، وأن الخروج من الأزمات يتطلب تضافر الجميع. فالحكومات تتخذ القرارات، والشعب هو من يقوم بتنفيذها.
وهذا حدث في بداية حرب أوكرانيا، حيث كانت فرنسا مهددة بانقطاع الكهرباء، إلا أن هذا الأمر لم يحدث نتيجة لعملية تقليل استخدامها إلا عند الحاجة فقط. وقامت الحكومة الفرنسية بتطبيق الأمر على نفسها ومبانيها ومؤسساتها، وقللت أيام العمل، وساعدها الشعب الفرنسي الواعي. وعادت فرنسا من هذه الأزمة بسلام دون انقطاع للكهرباء.
فهل ستنجح الحكومة الفرنسية في هذه المرة بالخروج بأقل الخسائر، مراهنة بذلك على المواطن الفرنسي الواعي، أم ستضطر إلى ممارسة سياسة دعم مؤقت للقطاعات الأكثر هشاشة وتزيد من خسائرها الاقتصادية؟
يبقى السؤال.