عاجل

لم يكن الخطاب الأول للمرشد الإيراني الجديد، مجتبى الخامنئي، مجرد بيان روتيني يهدف إلى طمأنة القاعدة الشعبية أو ترسيخ الشرعية الداخلية فحسب؛ بل كان زلزالا سياسيا وعسكريا هز أركان المعادلة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ورفع سقف التوقعات – والمخاوف – إلى مستويات لم نشهدها منذ عقود واتسمت اللهجة التي اعتمدها المرشد، بالحدة المطلقة والوضوح القاطع في تهديداته الموجهة للولايات المتحدة وحلفائها، بما يعكس تحولا نوعيا في استراتيجية طهران، من سياسة "الردع الاستراتيجي" و"إدارة الصراع" إلى سياسة "المواجهة الوجودية" و"حرب البقاء".

إن جوهر كلمة المرشد الجديد يكمن في كسر التابوهات الإيرانية التقليدية، فبينما اعتادت طهران على استخدام لغة مزدوجة تجمع بين الخطابة الثورية والمناورات التفاوضية الخلفية، جاء خطاب الخامنئي ليعلن صراحة عن نية إغلاق مضيق هرمز، ومهاجمة القواعد الأمريكية، وفرض معادلة "الثأر بالمثل" ليس فقط دمويا بل اقتصاديا وهو ما يشير إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة ترى أن لحظة "الاختبار النهائي" قد حانت، وأن أي تردد قد يفسر على أنه ضعف يقود إلى انهيار النظام.

من منظور تحليلي، فإن دعوة المرشد لإغلاق مضيق هرمز ومهاجمة القواعد الأمريكية فورا، تضع العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حرب شاملة تطال الطاقة العالمية والأمن الدولي، أو خضوع أمريكي كامل لشروط طهران وهو أمر مستبعد تماما في السياق الحالي و هنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بـ "مفارقة القوة"؛ فكلما رفع أحد الأطراف سقف تهديداته ليوحي بالقوة، قلت مساحة المناورة الدبلوماسية لديه، وزاد احتمال الانزلاق غير المقصود نحو الهاوية.

إن التهديد بفتح جبهات جديدة في مناطق "يفتقر فيها العدو للخبرة"، هو إشارة واضحة إلى أن إيران تستعد لنقل المعركة إلى ساحات غير تقليدية، ربما في أعماق المحيطات أو عبر شبكات إلكترونية ومعرفية معقدة، مما يجعل حسابات الخسائر الأمريكية أكثر تعقيدا ، غير أن الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذا الخطاب هو الربط الوثيق بين "الثأر لدماء الشهداء" و"عدم المساس بالوحدة الوطنية"،  إنها استراتيجية كلاسيكية تلجأ إليها الأنظمة تحت الضغط الشديد: تحويل الغضب الداخلي إلى طاقة هجومية خارجية ومع ذلك، فإن المخاطرة هنا هائلة؛ فالحروب لا تسير دائما وفق السيناريوهات المرسومة، وقد يؤدي اشتعال الفتيل إلى عواقب لا تحمد عقباها على الاستقرار الداخلي لإيران نفسها قبل أن تطال جيرانها.

في ظل هذا التصاعد الجنوني، الذي وصفته بعض الأوساط بـ "حرب الأوغاد"، تبرز أهمية الصوت العقلاني وصوت الوساطة الدولية أكثر من أي وقت مضى، ويشبه المشهد الحالي قصة من يحاول الصعود لأعلى شجرة في عاصفة؛ فكلما صعد الطرفان أعلى في سلم التصعيد، أصبح الفرع الذي يقفان عليه أكثر هشاشة، وزاد خطر انكساره وسقوط الجميع في هاوية الدمار الشامل قد تخلف وراءها خسائر بشرية واقتصادية تفوق قدرة أي طرف على التعويض، بغض النظر عن وعود "أخذ الأصول" أو "تدمير الممتلكات".

إن المجتمع الدولي، ممثلا في القوى الوسطية والدول الإقليمية الراغبة في الاستقرار، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لتمديد "سلم النزول" للأطراف المتصارعة و لا يعني هذا السلم التنازل عن المبادئ بل يعني فتح مسارات تفاوضية عاجلة لوقف إطلاق النار ومنع التحول من تبادل التصريحات النارية إلى تبادل الصواريخ الحقيقي والتاريخ يعلمنا أن الخطابات الثأرية عالية السقف، نادرا ما تنتهي بانتصار واضح لأحد الطرفين، وغالبا ما تترك المنطقة كلها في حالة من الفوضى والخراب.

ختاما، فإن كلمة المرشد مجتبى الخامنئي كانت جرس إنذار أخير للعالم لقد وضعت إيران جميع أوراقها على الطاولة معلنة استعدادها للمخاطرة بكل شيء دفاعا عن رؤيتها، لكن السؤال المطروح الآن هو: هل ستستجيب الولايات المتحدة وحلفاؤها لهذا التحدي برد فعل عسكري مباشر يفاقم الأزمة؟ أم أن صوت الحكمة والوساطة سيتمكن من اختراق ضباب الحرب الوشيك؟ إن البديل ليس انتصارا لأحد، بل هو سقوط للجميع وعلى قادة العالم إدراك أن فرع الشجرة أصبح على وشك الانكسار، وأن الوقت لم يعد يسمح بالمغامرة، بل يتطلب شجاعة النزول والبحث عن أرضية مشتركة قبل فوات الأوان.


إن مستقبل المنطقة، بل ومستقبل النظام العالمي برمته، معلق اليوم على خيط رفيع بين جنون الحرب وعقلانية السلام.

تم نسخ الرابط