العقل قبل النص.. كيف جسّد الليث بن سعد قيمة العقل في فهم العلم؟
أوضح الدكتور أسامة الأزهري، أن العقل من أحد أعظم النعم التي منحها الله للإنسان، وهو الأداة التي يستطيع بها أن يفهم النصوص ويستنبط الأحكام ويُبدع في مختلف مجالات الحياة، ولهذا احتلت قيمة العقل مكانة كبيرة في الإسلام وفي مناهج العلماء، حيث نظروا إليه باعتباره وسيلة لفهم الشريعة وتدقيق معانيها، لا مجرد وسيلة للحفظ والنقل، ومن بين هؤلاء العلماء يبرز اسم الإمام الكبير الذي عُرف بذكائه الواسع وفكره المتجدد، والذي كان مثالا حيا للعالم الذي يجمع بين العلم والنظر العقلي العميق.
مكانة العقل في مقاصد الشريعة
وأكد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، خلال برنامجة "إمام من ذهب"، المذاع على قناة DMC، أن الدراسات في الأزهر الشريف تجزم بأن مقاصد الشريعة تقوم على مجموعة من الأسس التي تهدف إلى حماية الإنسان وتنظيم حياته، ويأتي في مقدمة هذه المقاصد حفظ النفس من الهلاك، ثم حفظ العقل ليكون الإنسان قادرًا على أداء التكليف والعبادة، ثم حفظ الدين، ويكشف هذا الترتيب عن أهمية العقل باعتباره الأداة التي يفهم بها الإنسان النصوص ويستدل بها على الأحكام.
الليث بن سعد ونموذج التفكير النقدي
وأشار الأزهري، إلى أن الإمام الليث بن سعد يُعد من أبرز العلماء الذين عُرفوا بعمق التفكير وقوة العقل، فقد رُويت عنه قصة تعكس هذا البعد العقلي في فهم العلم، حيث ناقشه أحدهم في مسألة علمية وقال له إن ما يقوله الآن يختلف عما ورد في أحد كتبه سابقا، وكان رد الليث لافتًا حين قال إن ما ورد في كتابه إذا مرّ عليه مرة أخرى فإنه يقوم بتهذيبه بعقله ولسانه.
العلم بين الكتاب والعقل
وتابع، أن هذه العبارة تكشف عن قاعدة علمية مهمة، وهي أن المعرفة ليست جامدة أو ثابتة، بل هي عملية مستمرة من المراجعة والتطوير، فقد يكتب العالم رأيًا في مرحلة معينة من حياته، ثم يزداد علمه وخبرته لاحقًا فيعيد النظر في بعض ما كتب، ومن هنا يظهر الفرق الكبير بين النص المكتوب وبين التفكير النقدي الذي يسمح بتطوير الأفكار وتفنيدها، فالعلم لا يقتصر فقط على ما هو مكتوب في الكتب، بل إن جزءا كبيرا منه يعتمد على الفهم العميق والتحليل العقلي.
اساس المعرفة الحقيقية
وقال، أن لهذا السبب أكد كثير من العلماء على أن المعرفة الحقيقية لا تقوم على الحفظ فقط، بل على الفهم والنقد والمراجعة، فالعقل هو الذي يشرح المعلومة ويدققها ويضعها في سياقها الصحيح، ولذلك يمكن القول إن الخلاصة الحقيقية للعلم تُصاغ في العقل قبل أن تُكتب في الكتب، لأن الفكر الحي يتطور باستمرار ولا يتوقف عند حدود النص.


