عاجل

كيف يواجه الإنسان القلق من المستقبل؟.. عمرو الورداني يوضح طريق الطمأنينة

عمرو الورداني
عمرو الورداني

أكد الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن شهر رمضان ليس مجرد موسم لزيادة الطاعات أو محاولة تعويض التقصير خلال العام، بل هو زمن إلهي خاص اختاره الله سبحانه وتعالى ليصلح القلوب ويعيد ترتيبها من الداخل، موضحًا أن إصلاح القلب لا يتم بالقرارات السريعة أو الاندفاع المؤقت، وإنما يحتاج إلى تربية عميقة تعيد تشكيله من جديد.

وأضاف، في تصريحات تلفزيونية، أن المقصود بالدين ليس مجرد معلومات دينية أو أحكام محفوظة، بل الدخول إلى عمق المعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، مشيرًا إلى أن الفقه ليس فقط فقه المسائل، وإنما هو فقه القلوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» كان يشير إلى مركز الأزمة ومركز الحل في حياة الإنسان.

القلب هو موضع القرار والخوف والطمأنينة

وأوضح أن القلب هو موضع القرار والخوف والطمأنينة والرؤية، ولذلك قد يكون الإنسان فاهمًا الأمور كلها بشكل صحيح، لكنه يتعب ويضيع لأن قلبه لا يرى الحقيقة كما ينبغي، مشيرًا إلى أن من أخطر ما يصيب القلب في زماننا ليس فقط الشهوات أو الغفلة، وإنما حالة خفية يمكن تسميتها بالصراع مع المستقبل، وهي حالة تستهلك القلب من الداخل وتجعله دائم التوتر والاستعجال والشعور بأن اللحظة الحاضرة ناقصة.

وأشار إلى أن كثيرًا من الناس يعرفون ما يسمى بالخوف من الفوات أو ما يطلق عليه «الفومو»، لكن الصراع الحقيقي مع المستقبل أعمق من ذلك، لأنه يجعل الإنسان يعيش قلقًا دائمًا بشأن ما سيأتي قبل أن يحدث أصلًا، موضحًا أن هذا الصراع ينبع في جوهره من الخوف من المجهول، وهو أمر قد يبدو طبيعيًا في ظاهره، لكنه عند التأمل العميق يكشف عن أزمة ثقة فيمن يعلم الغيب ويدبر الأمر وهو الله سبحانه وتعالى.

وبين أن الأسئلة الوجودية الكبرى تضع الإنسان أمام الحقيقة الواضحة، فالله هو الذي يعلم المستقبل ويصنع أحداثه ويتحكم فيه، ولذلك عندما يخاف الإنسان خوفًا مفرطًا ويرتجف من الغد فإن هذا يشير إلى اهتزاز في الثقة بالله، مؤكدًا أن المشكلة تتفاقم عندما يتحول الاعتماد على الأسباب إلى نوع من «تأليه الأسباب»، فيتعامل الإنسان مع خططه وذكائه وكأنهما مصدر النتائج وينسى إرادة الله المحركة للكون.

ولفت إلى أن الحياة الحديثة ساهمت في إضعاف الشعور بمعية الله لدى كثير من الناس، خاصة مع تسارع الأحداث والتغيرات، حيث أصبح ما كان يحدث خلال عشرين عامًا قد يحدث الآن خلال عام واحد، وهو ما ولد شعورًا دائمًا لدى الناس بأنهم غير مستعدين للحاق بالمستقبل، وهذا العجز يولد رغبة قوية في السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.

وأكد أن القلق يبدأ عندما يكتشف الإنسان أن الحياة لا تسير وفق السيناريو الذي رسمه في ذهنه، وكأنه يحاول فرض إرادته على الغيب، موضحًا أن التخطيط للمستقبل ليس خطأ بل هو جزء من العبودية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتعلق القلب بالسبب وينسى المسبب وهو الله عز وجل.

وأشار إلى أن التعارض الحقيقي ليس بين النصوص الشرعية، بل بين فهم الناس لهذه النصوص، موضحًا أن القلق المرضي يتحول أحيانًا من شعور عابر إلى حالة وجودية يطبع الإنسان نفسه عليها، فتقنعه نفسه بأن القلق هو الحالة الطبيعية، بينما هو في الحقيقة يسرق منه الحاضر ويمنعه من الاستمتاع بالنعم التي بين يديه.

وأوضح أن القلب الذي يعيش دائمًا في خوف من احتمال زوال النعمة لا يعيش الواقع الحقيقي، بل يعيش مأساة متخيلة داخل سجن من الخيال، مشيرًا إلى أن علاج هذا القلق يبدأ بإعادة بناء الثقة بالله، والتوازن بين الأخذ بالأسباب والتسليم لله سبحانه وتعالى.
 

تم نسخ الرابط