عميد بيت لحم للكتاب المقدس: الحرب لا تصنع السلام والمدنيون يدفعون الثمن الأكبر
قال الدكتور القس منذر إسحق، العميد الأكاديمي في كلية بيت لحم للكتاب المقدس، إن التطورات المتسارعة في المنطقة تفرض على أصحاب الإيمان والضمير أن يتوقفوا للتأمل العميق في معنى الحرب وتداعياتها الإنسانية والأخلاقية.
وأضاف العميد الأكاديمي في كلية بيت لحم للكتاب المقدس، خلال فيديو تحت عنوان “أزمة عند الحاجز”، بأن الحرب الجديدة اندلعت هذه المرة بين إسرائيل وإيران، مع انخراط الولايات المتحدة أيضًا، في ظل ضربات متبادلة وتصعيد متسارع وتوترات متزايدة في أنحاء المنطقة، موضحا بأن الصراع الحالي لم يعد محصورًا داخل حدود جغرافية محددة، بل بات يتوسع ليشمل أطرافًا إقليمية ودولية، في وقت يدفع فيه المدنيون الثمن الأكبر كما يحدث في معظم الحروب.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
وأشار إسحق إلى أن ضحايا الحروب غالبًا ما يكونون من الأبرياء الذين لم يختاروا العنف أصلًا، عندما نتحدث عن الحروب، قد تتغير الوجوه، وتتطور الأسلحة، وتتبدل السرديات، لكن النتيجة تكاد تبقى واحدة: الخاسر دائمًا هو البريء، الأعزل، الأطفال، العائلات، والمسنون.
وتابع إسحق : في الحقيقة، لا يوجد منتصر في الحرب. الجميع يخسر، لكن المدنيين يخسرون أكثر. وهناك ما يُفقد أيضًا: إنسانيتنا. لأن الإنسانية بلا رحمة لم تعد إنسانية، وفي الحرب لا رحمة».
وشدد الدكتور القس منذ إسحق ، على ضرورة الاعتراف بقيمة كل حياة إنسانية دون تمييز، موضحًا كل حياة ثمينة. كل حياة متساوية، نحزن على فقدان كل إنسان إسرائيلي، إيراني، فلسطيني، لبناني، يهودي، مسلم، مسيحي، أو درزي، ففي اللحظة التي نرفع فيها قيمة حياة فوق أخرى، نفقد بوصلتنا الأخلاقية.
التكنولوجيا والحرب… قتل عن بُعد
وتحدث إسحق عن التحولات التي شهدتها الحروب الحديثة، مشيرًا إلى أن التقدم التكنولوجي جعل العنف أكثر بعدًا وأقل إنسانية، لقد استثمرنا قدرًا هائلًا من التقدم العلمي والذكاء والوقت، لا من أجل حفظ الحياة، بل لإتقان الموت. أصبحت الحرب بعيدة وتكنولوجية وغير شخصية، وأحيانًا تتحول إلى فعل جبان: قتل من بعيد دون رؤية الوجوه أو سماع الصرخات.
وأضاف أن الخطر الأكبر يتمثل في اعتياد المجتمعات على هذا الواقع، بحيث تتحول صور الدمار والضحايا إلى مشاهد عادية في الأخبار اليومية.
كلفة الحروب… مستقبل يُسرق
وأكد إسحق أن الكلفة الاقتصادية للحروب مذهلة، مشيرًا إلى أن الصراعات المعاصرة تستهلك موارد مالية هائلة كان يمكن أن تُستخدم لتحسين حياة البشر.
وأوضح بان الحرب على غزة وحدها كلّفت عشرات المليارات من الدولارات، والحرب بين روسيا وأوكرانيا بلغت مئات المليارات. وهذه الحرب الجديدة ستضيف مليارات أخرى».
وتابع: بجزء بسيط من هذه الأموال يمكن بناء آلاف المدارس، وتعليم ملايين الأطفال، وإنشاء مستشفيات، ودعم الأبحاث الطبية، وإنقاذ أرواح لا تُحصى. الحرب لا تدمّر الحاضر فحسب، بل تسرق المستقبل.
اقتصاد الحرب… عندما يتحول الألم إلى أرباح
وأشار العميد الأكاديمي لكلية بيت لحم للكتاب المقدس إلى أن الحروب لم تعد مجرد صراعات سياسية، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية ضخمة، الإنفاق العسكري العالمي تجاوز اليوم تريليوني دولار سنويًا، هذه الأموال لا تختفي، بل تتدفق إلى شركات تصنيع السلاح الكبرى مثل Lockheed Martin وBoeing»، وعندما ننظر إلى هذه الأرقام ندرك أن الحرب ليست فقط مأساة إنسانية، بل أيضًا صناعة ضخمة يتحول فيها الألم إلى أرباح، والدماء إلى عقود، والخوف إلى صفقات، موضحا بأن هذه الحقيقة تطرح أسئلة أخلاقية عميقة حول كيفية بناء الثروات على استمرار النزاعات.
المعيار الأخلاقي في المسيحية
وفي قراءته اللاهوتية للصراع، شدد إسحق على أن المعيار الأخلاقي للمسيحيين لا يجب أن يكون السياسة أو القومية، بل تعاليم السيد المسيح، مشيرا إلى ما جاء في إنجيل متى: «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون»، يسوع قال: أحبوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم. وقال أيضًا إن الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون. هذه ليست مجرد عبارات شعرية، بل جوهر الأخلاق المسيحية، موضحا بأن المسيح نفسه جسّد هذا التعليم عندما اختار الصليب بدل السيف، والمحبة بدل الانتقام.
قراءة تاريخية للصراع مع إيران
وتطرق إسحق إلى الجذور التاريخية للتوترات في المنطقة، مشيرًا إلى أن فهم الحاضر يتطلب العودة إلى أحداث مفصلية في التاريخ الحديث، في عام 1953 شهد انقلابًا أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق، بعد قراره تأميم النفط الإيراني.
وأوضح أن العملية التي دعمتها جهات غربية، والمعروفة باسم عملية أجاكس، أعادت تثبيت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وهو ما ترك آثارًا عميقة في الوعي السياسي الإيراني ومهّد لاحقًا لقيام الثورة الإيرانية عام 1979، التاريخ مهم، وتجاهله لا يمحوه بل يضمن تكراره.
الحاجة إلى لاهوت للسلام
وأكد إسحق أن العالم بحاجة إلى رؤية مختلفة تقوم على «لاهوت السلام»، موضحًا أن السلام الحقيقي لا يعني تجاهل الظلم أو فرض الهيمنة بالقوة، نحن نحتاج إلى سلام عادل، متجذر في الكرامة والمساءلة والحقيقة. سلام يؤمن بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله، ولذلك فكل حياة مقدسة ومتساوية.
وأستطرد “العميد الإكاديمي”، بأن الدين يجب أن يكون قوة للحياة لا أداة للعنف أو الهيمنة.
دعوة إلى تحالف الضمير
وفي ختام حديثه، دعا إسحق إلى بناء تحالفات إنسانية عابرة للأديان والهويات للدفاع عن العدالة والسلام، نحن مدعوون إلى قول الحقيقة حتى عندما تكون مكلفة، وإلى تحدي منطق الحرب، وكشف من يستفيدون من العنف.
كما شدد على أن السلام في المنطقة لن يكون ممكنًا دون معالجة جذور الصراع، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إذا كنا جادين بشأن السلام، فعلينا أن نكون جادين بشأن العدالة، والعدالة يجب أن تشمل الفلسطينيين كرامتنا وحقوقنا ومساواتنا، مؤكدا على أن رجاء المؤمنين لا ينبغي أن يكون في القوة العسكرية، بل في الله الذي يدعو البشر إلى اختيار الحياة والسلام.



