عاجل
محمد الغريب
محمد الغريب

تتواصل الرحلة في رابع أيام شهر رمضان الفضيل مع أيقونات ذهبية لطالما أضاءت دولة التلاوة والابتهال في مصر، وشنفت أذان الناس في كل أرجاء العالم.

ووسط البهجة التي أحدثتها دولة التلاوة وغصنها الذهبي الذي ناله الطفل المعجزة عمر علي؛ كان لملهم هذا الغضن حظه لسنوات تلو الأخرى من الخلود والحضور الدائم؛ فرغم رحيل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد كواحدٍ من عمالقة المدرسة المصرية العريقة لا يتوقف ترتيله في إذاعة القرآن الكريم ولا يتوقف المحاكين لصوته عن نيل أعلى المراتب وأسمى الدراجات.

«صوت مكة» أو «الحنجرة الذهبية» كما يحب البعض أن يلقبه كانت بدايته معي في سنٍ مبكرة، صوت لطالما ارتبط بـ وقت العصر في رمضان، عهدته في رحاب القرية يعلو فوق مآذنها حتى يقيم المؤذن إيذانا بالصلاة، فتركن أرواحنا وتسكن وتطمئن في وقت اعتدنا أن يكون أحد البردين.

ورغم تلاواته المرتلة التي لا تتوقف عن الإذاعة ضمن خارطة تبدأ بالحصري مرورًا بمصطفى إسماعيل فالمنشاوي وفي عقبهما عبدالباسط وختامًا البنا، كان عشقي الأكبر وملهمي الذي لم يكن لأحفظ سورة يوسف إلا عبره.

كان لحفلته التي لازلت أحتفظ بها في كل هاتف أقدم على شرائه بعد أن كنت استمع إليه في شرائط واقعها من قلبي؛ خاصة وهو يحكي عن يوسف وأخوته وكيف ألقوه في غياهب الذئب وكانت رحلته التي اختتمت على وجهي الشريط بـ 29 آية فقط سببًا في سنواتٍ من المحاكاة وكأن بي عملاقًا يحفظ القرآن قبل أن تكون صدمتي بعد شهرٍ من الفرحة بختمي سورة يوسف أن وجدتها أكثر من 100 آية وأنني لم أتجاوز منها حفظًا سوى الربع أو يقل.

عاودت التحدي كي أتمها، فكانت هذه المرة بصوته مرتلًا بعد أن فشلت خطواتي إلى مكتبة بابا شارو بالجيزة من الحصول عليها في حفلة، ورغم أن صوته مرتلًا يختلف عما يقرأ به في حفلاته إلا أن ذلك لم يحول بيني وبين اتقانها على غرار صوته وكأني أسمعه يتلوها في ذات الحفلة.

كان الشيخ اختياري في اختبارات كلية دار العلوم عندما كنت أجلس أمام الراحل العظيم كمال بشر أسمعه صوتي على غرار «قيثارة السماء» في رجفةٍ، وخفقات قلبي التي تنبض كي لا يجبرني على أن أستمر فوق الآيات الـ 29 التي أتقنها سماعًا.

ومع كثرة المحاكين للشيخ من أبنائه أو المشايخ أو الصغار يظل صاحب الغصن الذهبي عمر علي واحدًا ممن يشعرني بأنني أمام «عبدالباسط» يبعث من جديد أبحث عن استمراريته وفوزه بدولة التلاوة مع صعوبة ذلك بين الكبار؛ إلا أن لجبره بالغصن الذهبي كان لي بمثابة تلطيف بسيط على قلبي وكأني أخشى على الشيخ أن يحزن، فرحم الله صاحب الصوت الباكي والخاشع والفريد.

تم نسخ الرابط