قد جاءنا رمضان شهر فضيل، شهر النفحات والبركات، شهر الصيام والصلوات والدعوات، وإذا جاء رمضان تذكرنا معه الأصوات المصرية الخالدة في دولة التلاوة، وتذكرنا أيقونات رمضانية لطالما ارتبط بها الشهر الفضيل.
ومن هذه الأيقونات الخالدة الشيخ محمد رفعت، رحمه الله، الذي اشتهر بين المسلمين لحقبٍ طويلة كقارئ ومؤذن للمغرب وصوت لا يمكن غيابه عن روحانيات الشهر الفضيل.
فلا يخلو بيت رمضاني من حضور قيثارة السماء، فهو كما أبدع بوصفه شيخ الأزهر الراحل مصطفى المراغي: «منحة من الأقدار حين تهادن وتجود، بل وتكريم منها للإنسانية»، وهو البوصلة التي اعتاد أن يهتدي بها الصائمون إلى موائدهم.
ورغم أحزانهم مؤخرًا على عدم سماع قرآن الفجر والمغرب كما اعتادوا في طرقاتهم إلا أنه يشفع للإذاعة أن جعلت مؤذن رمضان وصوت مغربه هو أول إشعار بقبول الطاعة وثبات الأجر.
فـ الشيخ محمد رفعت ليس فقط جزء من تراث مصر الرائد في حفظ القرآن الكريم وعبير ماضيها الحاضر في كل زمانٍ ومكان، هو منحة ربانية عظيمة فرغم أنه ذهب بصره نتيجة الحسد إلا أنه وهب البصيرة والخلود فكان رائدًا لمدرسة التلاوة المصرية وشمسًا لا تغيب مهما أنجبت السماء نجومًا.
ولد الشيخ محمد رفعت في التاسع من مايو لعام 1882م بدرب الأغوات بحي المغربلين بالقاهرة، فقد بصره في عمره الثاني، وفي عامه الخامس اتجه لحفظ كتاب الله فأحسن دراسته بعلوم القراءات والتفسير والتجويد.
وفي ربيعه التاسع وجد نفسه عائلًا لأسرة مكونة من أخ وأم وشقيقتها بعد رحيل والده، ولمع في سماء الترتيل مع عامه الرابع عشر، وفي عام 1934 كان على موعدٍ للعالمية من خلال افتتح بث الإذاعة المصرية بتلاوة أول سورة الفتح، بعد إجازة من شيخ الأزهر الراحل الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، وفي عقبها تسجيلًا لهيئة الإذاعة البريطانية بعد إجازة الشيخ المراغي فسجل لها سورة مريم.
امتلك الشيخ محمد رفعت طاقات صوتية هائلة، جعلته يستطيع الانتقال بسلاسة شديدة بين المقامات، ورزق القدرة على تراسل الحواس لدى المستمعين، فيعلم متى يبكيهم، ومتى يبهجهم من خلال آيات الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل، فقد أوتي مزمارًا من مزامير داود، وكان صوته قويًا لدرجة أنه يستطيع من خلاله الوصول لأكثر من 3 آلاف شخص في الأماكن المفتوحة.
وإذ نحتفي بعودة دولة التلاوة المصرية لتنير سماء مصر الخالدة في قراءة القرآن وتلاوته من جديد لا نجد مفرًا من أن يكون لعبق الجذور الراسخة حضورًا لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يخفت أو يستبدل، فرحم الله الشيخ محمد رفعت وأجزل له الأجر والمثوبة على أعطى وأفاض في بناء دولة التلاوة العامرة.