عاجل

ليست نزاعًا.. أستاذ تاريخ بالأزهر: يكشف جذور الهوية الفلسطينية وتحديات بقائها

الدكتور محمد علي
الدكتور محمد علي فهيم بيومي أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر

 أكد  الدكتور محمد علي فهيم بيومي، رئيس قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الشريف، أن "القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع سياسي، بل قضية هُويَّة ممتدة في عمق التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة".

وأوضح خلال محاضرة تناول فيها أبعاد الهُويَّة الثقافية الفلسطينية، في إطار فعاليات دورة "التعريف بالقضية الفلسطينية" التي تعقدها دار الإفتاء المصرية، أن الهُويَّة الفلسطينية ليست طارئة ولا مستحدثة، بل هي هوية ثقافية راسخة تشكَّلت عبر تفاعل التاريخ مع الجغرافيا، وتأثرت بالتحولات السياسية والاجتماعية، لكنها حافظت على عناصرها الأساسية من خلال الذاكرة الجماعية والممارسة الثقافية اليومية.

الهوية الفلسطينية تواجه تحديات العولمة والشتات

وأشار إلى أن مفهوم الهُويَّة في التراث العربي أقدم مما يظنه البعض، فمصطلح الهُويَّة لم يكن وافدًا من الفكر الأوروبي، بل ورد في المعاجم العربية، حيث عرفت الهُويَّة بأنها الحقيقة الجزئية المرتبطة بالتشخص والوجود الخارجي، فالهُويَّة اصطلاحًا هي مجمل السمات التي تميز جماعة عن غيرها، وتحمل في داخلها عناصر متعددة متكاملة.

وتناول رئيس قسم التاريخ والحضارة عناصر الهُويَّة الثقافية للشعب الفلسطيني، مبينًا أن البُعد الجغرافي والمكاني يحتل موقعًا مركزيًّا في تشكيل الوعي الفلسطيني، إذ ترتبط الأرض بالمعنى والذاكرة معًا، مشددًا على أن الارتباط بفلسطين "من البحر إلى النهر" ليس مجرد توصيف جغرافي، بل هو تعبير عن حضور المكان في الوجدان الجمعي.

وقال أستاذ التاريخ إن "القدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة والحرم الإبراهيمي ليست مجرد مواقع دينية، بل هي مكونات أصيلة في تشكيل الوعي الحضاري للأمة"، موضحًا أن حادث الإسراء والمعراج رسخ مكانة القدس في العقيدة الإسلامية، وجعلها جزءًا من الوجدان الديني الجمعي.

وأكد أن الأزهر الشريف أدى دورًا مهمًّا في الحفاظ على الهُويَّة الثقافية الفلسطينية من خلال استقباله طلابًا فلسطينيين على مدى عقود، أسهموا بعد تخرجهم في مجالات التعليم والخطابة والعمل الاجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني، مؤكدا أن هذا الدور أسهم في الحفاظ على اللغة العربية الفصحى، واستمرار المرجعية الدينية والثقافية المرتبطة بالتراث العربي والإسلامي.

وأشار إلى أن التجربة السياسية كان لها أثر بالغ في إعادة صياغة الوعي الثقافي الفلسطيني، موضحًا أن مفاهيم النضال من أجل الاستقلال، والصمود، والتمسك بالأرض تحولت إلى قيم ثقافية يومية انعكست في الأغنية والشعر والمسرح والرواية، مؤكدًا أن الانتماء الوطني الفلسطيني مرتبط بالوعي السياسي والمقاومة.

وبي اأستاذ التاريخ والحضارة أن العلم الفلسطيني بألوانه الأربعة يجسد سردية تاريخية كاملة؛ فالأحمر يرمز للتضحية، والأسود للمعاناة، والأبيض للأمل والسلام، والأخضر للأرض والخير، مشيرًا إلى أن النشيد الوطني والأناشيد الثورية مثل “فدائي” و“موطني” شكلت وجدانًا جمعيًّا داعمًا للهُوية الفلسطينية.

وأكد أن الهُويَّة الفلسطينية الحديثة تشكلت في سياق التحولات الكبرى منذ منتصف القرن العشرين، خاصة بعد النكبة، موضحًا أن تجربة اللجوء والشتات حوَّلت الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية، وأسهمت روايات القرى المهجَّرة وإحياء المناسبات الوطنية في ترسيخ السردية التاريخية. 

كما شدد على دور اللغة العربية والأدب في تثبيت الهُويَّة، قائلًا: إن "اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء الهُويَّة"، فالشعر والرواية الفلسطينية، كما في أعمال محمود درويش وغسان كنفاني وغيرهما، وثقا التجربة الفلسطينية ورفضا الاستسلام، وحوَّلا الألم إلى مشروع وعي. 

كما تناول غسان كنفاني بوصفها ركيزة في أدب المقاومة، موضحًا أن روايات مثل "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا" وغيرهما لم تكن سردًا أدبيًّا فحسب، بل إعادة تعريف لمفهوم الوطن والعودة والمواجهة. 

وأشار إلى أن المسرح والسينما الفلسطينية أسهما بشكل كبير في تعزيز الوعي الثقافي وتوثيق الأحداث التاريخية، منذ مسرحيات ما قبل النكبة وحتى الأعمال المعاصرة في غزة والقدس، معتبرًا أن الفن من أهم أدوات المقاومة الثقافية.

كما تحدث  عن التراث الشعبي، وبيَّن أن الدبكة الفلسطينية هى طقس تراثي تطور ليصبح رمزًا للوحدة والمقاومة، خاصة بعد عام 1948، وأن الفولكلور يعبر عن استمرارية الهُويَّة في مواجهة محاولات الطمس.

وشدد بيومي على أنه لا توجد في فلسطين هويتان ثقافيتان، بل هُوية عربية واحدة ممتدة عبر التاريخ، مضيفًا أن الحديث عن هوية موازية هو فرض ثقافي لا يستند إلى جذور تاريخية راسخة في الأرض. 

وأوضح أن العرب الكنعانيين هم أصحاب الأرض الأوائل، وأن القدس مدينة عربية ضاربة في القدم، وأن محاولات إعادة صياغة التاريخ لخدمة مشاريع سياسية معاصرة لا تغيِّر من الحقائق التاريخية.

واختتم محاضرته بالتأكيد على أن الهُويَّة الثقافية الفلسطينية تواجه تحديات معاصرة، من أبرزها الشتات، والصراعات الداخلية، وضغوط العولمة، إلا أنه شدد على أن وسائل التواصل الحديثة والفنون المعاصرة يمكن أن تصبح أدوات لإعادة تقديم الهُويَّة بلغة جديدة دون التفريط في الجذور. 

تم نسخ الرابط