شيخ المالكية والفقيه الأصولي.. كبار العلماء تحيي ذكرى الدكتور أحمد طه ريان
تحل اليوم ذكرى الأستاذ الدكتور أحمد طه ريان ، حيث ولد في مثل هذا اليوم -العاشر من فبراير عام 1939م، الموافق العشرين من ذي الحجة سنة 1357ه- العلامة الفقيه الأصولي شيخ المالكية الأستاذ الدكتور أحمد علي طه ريان، في قرية الرياينة، التابعة لمدينة الغربي قمولا، التابعة لمركز القرنة، بمحافظة الأقصر، بصعيد مصر الطاهر.
ذكرى ميلاد الدكتور أحمد طه ريان
نشأ في بيت علم وصلاح وطيب أصل؛ فكان والده مشهورا بالورع والأمانة والكرم، وكان يريد أن يرى ابنه شيخ عمود بالجامع الأزهر الشريف، فاهتم بتحفيظه القرآن حتى أتمه كاملا في الحادية عشرة من عمره على الشيخ أحمد أبو الحاج يوسف، كما تربى على المعاني الصوفية والإيمانية الراقية في مجالس الشيخ أحمد الطيب، وهو جد فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.
وفي الثالثة عشرة من عمره التحق بمعهد بلصفورة الديني الأزهري في جرجا، وحصل على شهادة الابتدائية الأزهرية عام 1956م، ليلتحق بمعهد قنا الديني الثانوي وحصل على الثانوية عام 1961م.
يشد الشيخ أحمد طه ريان الرحال إلى القاهرة طالبا العلم من كلية الشريعة والقانون، ليحصل على الإجازة العالية (الليسانس)، ثم يواصل اجتهاده فيحرز درجة التخصص (الماجستير) في الفقه المقارن عام 1968م، وبعدها بسنتين يعين معيدا بقسم الفقه المقارن، وفي عام 1973م يحصل على العالمية (الدكتوراه) مع مرتبة الشرف الأولى، فيعين مدرسا بالقسم، وفي عام 1976م يعار إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فيقضي هناك خمس سنوات، وعندما عاد استمر في اجتهاده العلمي حتى حصل على درجة الأستاذية في التفسير وعلوم القرآن عام 1985م، يسافر بعدها إلى المملكة العربية السعودية لكن في هذه المرة إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، ويقضي فيها ست سنوات، ثم يذهب إلى جامعة الأحقاف بحضرموت في اليمن عام 1991م، حيث تولى عمادة كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية هناك، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الجامعة لمدة عامين، ثم يذهب إلى دبي؛ ليشغل منصب وكيل كلية الإمام مالك للشريعة والقانون.
وقد كانت له جهود دعوية كبيرة خارج مصر؛ فقد قام فضيلته بزيارات علمية ودعوية لبلدان كثيرة، منها: تونس، والأردن، وبنجلاديش، وباكستان، وأوزبكستان، وبريطانيا، كما زار أيضا الولايات المتحدة الأمريكية عدة مرات؛ لإقامة دورات شرعية في المراكز الإسلامية لسبع ولايات أمريكية، وللاشتراك في تأسيس مجمع فقهي كبير، هو «مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية»، كما شارك في أعمال مجمع فقهاء الشريعة الذي عقد في العاصمة الدنماركية «كوبنهاجن» لأول مرة بعد تأسيسه، فضلا عن دوره في إنشاء مكاتب لتحفيظ القرآن الكريم.
أحمد طه ريان عضوا مؤسسا بهيئة كبار العلماء
وتقديرا لمكانة الدكتور أحمد طه ريان اختاره الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف؛ ليكون واحدا من الأعضاء المؤسسين لهيئة كبار العلماء بعد عودتها مرة أخرى، وذلك بناء على قرار رئيس الجمهورية رقم (24) الصادر في السابع والعشرين من شعبان سنة 1433ه، الموافق السابع عشر من يوليو 2012م، وقد كان لفضيلته جهد مشكور في كل البيانات التي أصدرتها هيئة كبار العلماء، وكذلك في الموضوعات الفقهية التي تناولتها الهيئة بالبحث والدراسة، كما تقدم للهيئة بمقترحات متميزة، تم تنفيذ كثير منها.
هذا، وقد أثرى الدكتور أحمد طه ريان المكتبة الفقهية والإسلامية بكثير من المؤلفات العلمية القيمة، ومنها: «المسكرات في الشريعة الإسلامية: آثارها وعلاجها»، «المخدرات بين الطب والفقه»، «تعدد الزوجات ومعيار العدل بينهن في الشريعة الإسلامية»، «سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء»، «ملامح من حياة الفقيه المحدث الإمام مالك بن أنس». «ضوابط الاجتهاد والفتوى»، «هكذا تهدم معالم الإسلام» وهو نقض لكتاب «الاجتهاد حق أم واجب» لحسين أحمد أمين، «رخصة الفطر في صيام رمضان»، بحث مطول «المعادلة بين المساواة والقوامة بين الرجال والنساء» نشر في مجلة الأمن والقانون التي تصدرها كلية شرطة دبي، «بحث الذبائح في الحج: مصادرها ومصارفها» نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، «تذكرة الأحباب في بيان فتنة المال»، «المدخل الوجيز في التعريف بمذهب إمام أهل الفقه والحديث مالك بن أنس»، «فقهاء المذهب المالكي»، «الحكم الأدبية مما حفلت به النهايات الذهبية لكتب المالكية».
تراث الدكتور أحمد طه ريان
وقد ترك تراثا فقهيا صوتيا ضخما لدى إذاعة القرآن الكريم عبر برنامجها الرائد «بريد الإسلام».
وعندما يذكر الدكتور أحمد طه ريان تذكر الأخلاق الحميدة؛ فقد كان يتمتع بصفات التقوى والورع، ولطف الطبع، وسخاء النفس، والتواضع، وعفة اللسان.
قال عنه الأستاذ الدكتور مصطفى الجارحي الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بأسيوط: «كان تقيا نقيا ورعا، رافقته على مدار سنوات رحلتنا الأكاديمية في اليمن، فلم يفته قيام ليل، ولا ورده اليومي من القرآن الكريم، وكان بحرا لا شاطئ له في العلوم، رزقه الله فتوحات ربانية وقبولا منقطع النظير من كل من عمل أو تعامل معه».
وقد كان بيته بالقاهرة قبلة لأبناء بلده والقرى المجاورة بصعيد مصر؛ فقام بتخصيص الدور الأرضي مضيفة للسكن والطعام والشراب دون مقابل لأهل بلدته، مع إتاحة مكتبته لطلاب العلم.
كما أنشأ رابطة اجتماعية خيرية بالقاهرة، هي «رابطة أبناء قمولا الخيرية»؛ لخدمة أبناء بلدته والبلدات المجاورة في حالات المرض والوفاة والأزمات، مع توفير سيارات لنقل الموتى بالمجان، وشراء قطع من الأراضي وتخصيصها مقابر لدفن الموتى من أبناء الرابطة بالقاهرة، وأسس أيضا جمعية عمر الفاروق الخيرية الإسلامية بعين شمس، وكان أول رئيس لها، وكانت تقدم الرعاية الصحية ورعاية الأيتام والتكافل الاجتماعي، فضلا عن النشاط الدعوي وتحفيظ القرآن الكريم.
رحيل الدكتور أحمد طه ريان
وبعد حياة علم وعمل وعبادة ودعوة وصلاح وعطاء انتقل الشيخ الجليل أحمد طه ريان إلى رحمة الله في الخامس من رجب سنة 1442ه، الموافق السابع عشر من فبراير عام 2021م.
وقد نعاه الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف قائلا: «رحم الله أخي العزيز، وزميلي الفاضل، ورفيق رحلة التعلم والدراسة، فضيلة الشيخ أحمد طه ريان، الذي عاش عالما جليلا سمحا كريما معطاء؛ فقد كان في دفاعه عن الشريعة يصدع بما يؤمن به، ولا يخشى في قول الحق لومة لائم».



