دعاء النصف من شعبان 1447: وصحة الحديث الوارد في إحيائها، اغتنمها مع المغرب
يكثر البحث عن دعاء ليلة النصف من شعبان وفضلها وحكم صيام يومها قبل ساعاتٍ قليلة من دخول ليلتها، حيث ليلة الصفاء والنور، حسبما وصفها الدكتور أسامة فخري الجندي من علماء وزارة الأوقاف.
وقال الجندي: اجعلوا ليلة النصف من شعبان ليلة صفاءٍ ونور، نُصَفِّي فيها القلوب والنفوس من دوافع الحقد والكراهية والبغضاء، رجاء أن ننال من الله تعالى الرحمة، والحفاوة، والكرامة، والعطايا، والمغفرة، لافتًا إلى أنه لقد تعلمنا من مشايخنا أن لهذه الليلة خصوصيةً عظيمة؛ إذ يُعَمِّمُ اللهُ عز وجل فيها العطاء والجود على خلقه، ولا يحول دون هذا الفضل إلا حاجزٌ واحدٌ فقط، بيَّنه لنا سيدنا رسول الله ﷺ.

حديث ليلة النصف من شعبان
جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ". ومعنى قوله ﷺ: "يطلع الله إلى خلقه" أي يتفضّل سبحانه وتعالى على عباده بقدرٍ زائدٍ ومخصوص من الإقبال، والرحمة الخاصة، والنظر، والرضا، والحفاوة، والكرامة، والعطايا، والمغفرة. فهو عطاءٌ عامٌّ لا يُحرَم منه أحد، إلا من أقام في قلبه مانعًا يحول دون هذا الفضل: الشرك أو الشحناء.
وتابع الجندي: من هنا نعلم أن ليلة النصف من شعبان ترتبط ارتباطًا مباشرًا بعملٍ قلبيٍّ دقيق، وأدبٍ باطنيٍّ رفيع، وهو تصفية القلوب، لا سيما من الشحناء، والبغضاء، والحقد، وما يتفرع عنها من معاني القطيعة، والمعاندة، والتحفز، والتخوين، والكراهية، وسائر المعاني السلبية التي تُثقِل القلب وتحجبه عن الفيض الإلهي.
ونبه: تذكروا قوله ﷺ : "إذا خلُصَ المؤمنونَ من النَّارِ ، حُبِسُوا بقنطرةٍ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ فيتقاصُّونَ مَظالِمَ في الدُّنيا ، حتَّى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا ، أَذِنَ لَهم بدخولِ الجنَّةِ ، فوالَّذي نفسُ مُحمَّدٍ بيدْه ! لأَحدُهُم بمنزلِهِ أدَلُّ منهُ في الدُّنيَا "، فهذا الحديث الذي يتكلم عن رحلة القلب قبل الدخول إلى حضرة النعيم.
وتابع: يخبرنا النبي ﷺ أن المؤمنين إذا نَجَوْا من النار، لم يُدخِلهم الله الجنة مباشرة، لا نقصًا في فضلهم، ولا تقليلًا من كرامتهم، ولكن رحمةً بهم. فيُحبَسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار… مكانٍ ليس للعذاب، وإنما للتطهير الأخير.
وأكمل: هناك، لا تُحاسَب الكبائر، فقد نُجِّيَ منها المؤمن، ولا تُوزَن الأعمال، فقد انتهى الحساب، وإنما يُنقَّى القلب من بقايا الدنيا، من مظالم عالقة، وحقوقٍ لم تُصفَّ، من كلماتٍ جَرَحت، ومواقفَ كُسِر فيها خاطر، من حقٍّ أُخِذ، أو أذًى لم يُرَدّ. إنها محطة التهذيب، لأن الجنة دار صفاءٍ مطلق، ولا يدخل الصفاء إلا صافٍ ﴿ حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا ﴾ أي أُزيل من قلوبهم كل ما لا يليق بمجاورة الله، كل أثرٍ للغلّ، كل بقايا الخصومة، كل تعلّقٍ بشيءٍ غير الله. ثم… وبعد هذا الصفاء الكامل، يُؤذَن لهم بدخول الجنة.
وشدد على هذا المعنى، يجدر بالعبد في هذه الليلة أن يقول بقلبٍ صادق: كلُّ من نال من حقي، أو ظلمني، أو قال فيَّ ما ليس فيَّ، أو طعن في ظهري، فإني أُشهِدُ الله وأُشهِد ملائكته أني قد سامحته، وصفحت عنه. وكلُّ من تسببتُ له في ألمٍ أو أذى أو سوء أو حرج، فإني أرجو مسامحته والعفو عني. فإن الله (عز وجل) لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأجساد، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال.

دعاء ليلة النصف من شعبان
ومن دعاء ليلة النصف من شعبان ما يلي:
اللهم إنَّا نَسْأَلُكَ الحِفْظَ والسَّترَ والتَّوْفِيقَ والقَبُولَ،
اللهم إنَّا نَسْأَلُكَ أن تُحَبِّبَ عُبَيدَك هذا لِجَمِيعَ خَلْقِكَ،اللهم إنَّا نَسْأَلُكَ ألَّا تَجْعَلَ لِعُبَيدِك هذا عداوةً لجِنسِ مَخْلُوقٍ مِنْ خَلْقِكَ.
"اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إِلهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ".


