هل تعبد النبي والصحابة بالقرآن فقط؟.. عالم أزهري يرد على مزاعم عادل عصمت
قال الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف في الرد على دعاوى عادل عصمت، وزعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده، وكل المسلمين؛ عاشوا بكتاب الله وحده؛ تكذيب صريح للقرآن والسنة.
تعبد النبي والصحابة بكتاب واحد (القرآن الكريم)
وتابع: القرآن يأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء، سواء كان قرآنا أو سنة، قال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"، وهو أمر مطلق، شامل لكل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من أمر أو نهي، وليس القرآن وحده، وكذلك يقال في قوله تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله"، فالطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله، وهي طاعة مطلقة، في كل ما صدر عنه، وخرج منه؛ لأنه كله وحي، سواء كان قرآنا أم سنة، كما قال تعالى: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"، والضمير (هو) عائد على النطق، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينطق بالقرآن، وينطق بالسنة.
وقد جمع القرآن الكريم بين طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، في غير موضع، فطاعة الله في كتابه، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته.
وكل أسئلة الصحابة رضي الله عنهم، واستفتاءاتهم، واستفساراتهم، ووقائعهم، للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته الشريفة، وجوابه صلى الله عليه وسلم عنها، وطاعتهم له؛ تكذِّب هذا الادعاء، وهي مسجلة في مصادر السنة، وهي عمل بسنته صلى الله عليه وسلم، كعملهم بالقرآن.
ومن ذلك: "أي الإسلام خير؟" ، "دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة" ، "قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك" ، "من أحق الناس بحسن صحابتي؟"
وأضاف: بل إن كيفية أداء العبادات الأربعة - الصلاة والصيام والزكاة والحج - وهي أركان الإسلام الكبرى؛ إنما جاءت بها السنة، ولم يأت بها القرآن، فليخرج لنا الأستاذ عادل عصمت من القرآن؛ كيفية الصلاة ومواقيتها، وأنصبة الزكاة وأنواعها ومقاديرها، وكيفية الصيام وشروطه ومبطلاته، وشروط وجوب الحج والعمرة وكيفية أدائهما.
وأكمل: ليخرج لنا من القرآن تحريم نكاح المتعة، وأكل لحوم الحُمر الأهلية، وتحريم نكاح البنت على عمتها وخالتها. إن كل ذلك قد عرفناه من السنة، ولم نعرفه من القرآن.
وأما رجوع الخلفاء الأربعة إلى السنة؛ فأشهر من أن يُذكر، وكيف والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرشدهم إلى ذلك، وذلك في حديث معاذ بن جبل، حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له: "بِمَ تحكم إن عَرض لك قضاء؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلُو - أي لا أقصِّر - فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى الله ورسوله".
بل القرآن نفسه أمر بردِّ الأمور إلى الكتاب والسنة، وذلك في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا".
وقال في موضع آخر: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم؛ لعلمه الذين يستنبطونه منهم".
وقد احتكم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم إلى السنة، وطلبوا الدليل منها، كما في واقعة أبي بكر الصديق في ميراث الجدة، وواقعة عمر بن الخطاب في الاستئذان.
روى أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "جاءتِ الجَدَّةُ إلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسألُه ميراثَها، فقال: ما لكِ في كتابِ اللهِ تعالى شيءٌ، وما عَلِمتُ لك في سُنَّةِ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا، فارجِعي حتى أَسأَلَ الناسَ، فسأَل الناسَ، فقال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: حضَرتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَعطاها السُّدسَ، فقال أبو بَكْرٍ: هل معك غيرُك؟ فقامَ محمَّدُ بنُ مَسلَمةَ، فقال مِثلَ ما قال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ، فأَنفَذَه لها أبو بَكْرٍ".
وروى البخاري عن أبي موسى الأشعريَّ - رضي الله عنه - "أنه جاء يستأذنُ على عمرَ بنِ الخطابِ، فاستأذنَ ثلاثًا، ثم رجع، فأرسلَ عمرُ بنُ الخطابِ في أَثَرِهِ، فقال ما لك لم تدخلْ؟ فقال أبو موسى: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لكَ فادخلْ، وإلا فارجعْ".
هل أئمة السنة ألغوا القرآن؟
وأوضح: زعمه أن أئمة السنة ألغوا القرآن، وجعلوا السنة مكانه؛ يردّ عليه استشهاد أئمة السنة بالقرآن في مصنفاتهم، وعقدهم أبوابا خاصة بتفسير القرآن، وذكرهم آيات من القرآن، في تراجِم وعناوين الأبواب، كما صنع البخاري في [صحيحه] وغيره من أئمة الحديث، وحديثهم عن حجية السنة ومكانتها في التشريع، في كتب علوم الحديث، وهي من الدروس الأولية، التي يدرسها طلبة الحديث.
كما أن علماء الحديث لم يصنفوا كتب الحديث؛ لتكون بديلا عن القرآن، بل ليفهموا بها القرآن، وليتمموا بها الدين، وليتقربوا إلى الله بخدمتها، كخدمة أهل القرآن للقرآن، واستجابة لأوامر القرآن بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرد إلى سنته بعد الرد إلى القرآن، والاحتكام إليه فيما شجر بينهم، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت السنة مجموعة مدونة بين أيديهم.
وقد ناقض نفسه في نفس المنشور، بذكره أن الشافعي قال بفكرة الوحيين، وهو يقصد أن الوحي نوعان: وحي متلو، وهو القرآن، ووحي غير متلو، وهو السنة، وهذا يدل على احتجاج الشافعي بالسنة، وأنه لم يجعلها بديلا عن القرآن، والشافعي من أئمة الحديث والفقه، باتفاق، ومن ألقابه (ناصر السنة).
على أن القرآن نفسه هو الذي اعتبر السنة وحيا، كالقرآن، على النحو الذي ذكرناه، وبشهادة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأريكة، الذي تنبأ فيه بجماعة القرآنيين، الذين يزعمون الاكتفاء بالقرآن عن السنة، وهي دعوى خبيثة، ظاهرها تعظيم القرآن، وباطنها التحلل من الدين، وفي آخر الحديث المشار إليه: "ألا وإن ما حرّم رسولُ الله مثلُ ما حرّم الله".
أول مصنفات الحديث هي الكتب الستة
أما زعمه أن أول مصنفات الحديث هي الكتب الستة؛ خطأ لا يقع فيه إلا المتكلم في غير فنه، ومن تكلم في غير فنه؛ أتى بالعجائب.
فقد عدَّ علماء الحديث أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة؛ أول تدوين للحديث، ورددوا في كتبهم عبارة: "وأما ابتداء تدوين الحديث؛ فإنه وقع على رأس المائة، في خلافة عمر بن عبد العزيز"، ويُفهم من هذا أن التدوين المعتمد من أولياء الأمور؛ كان في عهد عمر بن عبد العزيز، أما تقييده وحفظه في الصحف والأجزاء؛ فقد مارسه الصحابة ومَنْ بعدهم من كبار التابعين، وقد مَهَّدَتْ محاولة ابن شهاب الزهري لجمع الحديث، بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ الطريق لمن بعده من العلماء، فظهرت مصنفات، منها:
1- كتاب عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (المتوفي سنة 150 هـ)، فقد جمعه بمكة في الآثار وشيء من التفسير، عن عطاء بن أبي رباح (المتوفي سنة 114 هـ)، وغيره من أصحاب ابن عباس، ومع أن كتاب ابن جريج لم يصل إلينا، إلا أن تلميذه عبد الرزاق بن همام الصنعاني (المتوفي سنة 211 هـ) قد جمع كثيرًا من مروياته في كتابه المصنف؛ حيث أكثر من إيراد رواياته عن ابن جريج، باعتباره شيخًا له، كما ذكر عنه كثيرًا من المسائل الفقهية التي وقعت بين ابن جريج وشيخه عطاء، وقد ذكر بعض العلماء أن ابن جريج كان له كتاب السنن، على مثل ما تحتوي كتب السنن، مثل الطهارة والصلاة والزكاة وغير ذلك.
2- وهناك جامع مَعْمَر بن راشد اليماني (المتوفى سنة 151هـ)، ويقع في عشرة أجزاء، وصل إلينا منها الخمسة الأجزاء الأخيرة، وهي مخطوطة في تركيا.
3- وموطأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (المتوفى سنة 158هـ) بالمدينة، وكان أكبر من موطأ الإمام مالك بن أنس.
4- وجامع سفيان بن عيينة الهلالي (المتوفى سنة 198هـ)، في السنن والآثار وشيء من التفسير، وقد بقي منه أوراق قليلة، نحو ست ورقات.
5- ومسند الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (المتوفى سنة 150 هـ)، وله خمسة عشر مسندًا، وقد أوصلها الإمام أبو الصبر أيوب الخلوتي إلى سبعة عشر مسندًا، كلها تنسب إليه؛ لكونها من حديثه، وإن لم تكن من تأليفه، وقد جمع الخوارزمي أبو المؤيد محمد بن محمود (المتوفى سنة 655 هـ) بين خمسة عشر منها، في كتاب سماه «جامع المسانيد» رتبه على ترتيب الأبواب الفقهية، بحذف المعاد، وترك تكرير الإسناد، وهو مطبوع في مجلدين، بمطبعة مجلس دائرة المعارف بالهند 1332.
6- وكتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة (المتوفى سنة 199هـ)، وهو مرتب على الأبواب الفقهية، وهو مطبوع بالهند (1406هـ) في مجلدة، وأخرى بتحقيق الشيخ أبو الوفا الأفغاني، في مجلدتين.
7- ومسند الإمام محمد بن إدريس الشافعي (المتوفى سنة 204 هـ)، وليس هو من تصنيفه، وإنما هو عبارة عن الأحاديث التي أسندها الإمام الشافعي، مرفوعها وموقوفها، وقد جمعها بعض أصحابه النيسابوريين من كتابه الأم، وغيره من مسموعات أبي العباس الأصم التي كان انفرد بها عن الربيع، وله طبعات كثيرة، ومن أفضلها طبعة في مجلدتين، بتقديم مقبل بن هادي، طبعة مكتبة ابن تيمية (1416هـ).
8- ثم موطأ الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (المتوفى سنة 179هـ) بالمدينة، وطريقة الإمام مالك فيه أنه جمع الآثار المرفوعة والمرسلات وفقه الصحابة وكبار التابعين وعمل أهل المدينة.
ثم جاءت طائفة أخرى من العلماء ألفوا وصنفوا من أشهرهم :
1- وكيع بن الجراح الرؤاسي (المتوفى سنة 197هـ)، وله كتاب «الزهد»، وهو مطبوع بتحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، في مجلدتين، طبعة دار الصميعي (1415هـ).
2- سعيد بن منصور المروزي (المتوفى سنة 227 هـ) بمكة، صاحب السنن، وسننه من مظان المعضل والمنقطع والمرسل، وقد طبعت منه قطعة في مجلدتين، بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، طبعة منشورات المجلس العلمي 1388، وطبع بقيته في خمس مجلدات، بتحقيق الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد، طبعة دار الصميعي (1414هـ).
3- عبد الرزاق بن همام الصنعاني (المتوفى سنة 211 هـ)، وله «الجامع»، وكتاب «المصنف»، وهذا المصنف مرتب على الكتب والأبواب الفقهية، وهو مطبوع في إحدى عشرة مجلدة، بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، طبعة المكتب الإسلامي 1403، وأما الجامع فلم يصلنا منه شيء.
4- مصنف أبي بكر بن عبد الله بن أبي شيبة العبسي (المتوفى سنة 235 هـ)، وقد جمع فيه الروايات على طريقة المحدثين، بالأسانيد وفتاوى التابعين وأقوال الصحابة، مرتبًا على الكتب والأبواب على ترتيب الفقه، وهو مطبوع في أربع عشرة مجلدة، بتحقيق عامر العمري الأعظمي، اهتم بطباعته ونشره مختار أحمد الندوي السلفي (بومباي، الدار السلفية 1403هـ).
ويمكن القول بأن منهج التدوين في عصر التابعين كان يقوم على جمع الأحاديث النبوية التي تدور حول موضوع واحد، فكان لكل باب من أبواب السنة مؤلف خاص به، وقد بدأ ذلك على يد ابن شهاب الزهري (المتوفى سنة 124هـ)، ثم تطور التدوين في القرن الثاني إلى مرحلة أخرى، وهي جمع أحاديث الأبواب، وضم بعضها إلى بعض، ومزج الأحاديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، واشتهر من بين هذه المؤلفات: الموطأ، ومصنفا ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وقد حملت المصنفات عناوين مثل: مصنف، وسنن، وموطأ، وجامع، وجمعت مادتها الأولى عن الأجزاء والصحف التي دونت قبل مرحلة التصنيف، وكان الغرض من جمع السنة بهذه الطريقة في القرن الثاني؛ هو خدمة التشريع، وتسهيل استنباط الأحكام.
ثم جاءت بعد ذلك الكتب الستة، في القرن الثالث الهجرى، وهو العصر الذهبي لتدوين السنة النبوية، واقتصرت على المرفوع من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وصف أئمة الكتب الستة بالتركمان
وعن وصفه لأئمة الكتب الستة بالتركمان؛ يوحي بغمزهم والطعن فيهم، وفي العرب، كأن المسلمين العرب عجزوا عن خدمة السنة، حتى جاء التركمان العجم، فخدموها.
والحق: أن الإسلام لا يفرق بين عربي وعجمي، وليست فيه هذه النزعة العرقية أو القومية، بل الإسلام ينبذها، ويكرهها أشد الكراهية، ومعيار التفاضل في الإسلام هو الإيمان والتقوى، لا العِرق والجنس، وللأعاجم دور عظيم بارز في خدمة الحركة العلمية وتطورها، وأكثر المصنفين الأوائل في جميع الفنون والعلوم كانوا من الأعاجم، وحظ العرب منها قليل، وهذا مما ينبغي أن تفاخر به الحضارة الإسلامية.
على أن مصنفي العجم كانوا كالعرب فصاحة وبلاغة وقوة انتماء لهذا الدين، وربما أشد؛ لأنهم كانوا من الجيل الثاني والثالث فما بعد، وهم الذين خالطوا العرب الفاتحين، ودانوا لهم بالولاء، وانتقلوا إلى جميع أقطار العالم الإسلامي، عبر الرحلة في طلب العلم، فاكتسبوا معارف وخبرات كثيرة، حتى استعربوا، ولانت ألسنتهم بلغة العرب، وهي لغة الإسلام، وزالت عنهم لكنة العجم التي كانت في الآباء والأجداد، حتى صاروا كالعرب، بل أجلَّ.





