"السلام عليك أيها النبي".. لماذا لم يخاطب الحبيب بـ محمد في الإسراء والمعراج؟
قالت وزارة الأوقاف في حديثها عن الإسراء والمعراج، إن معراج سيدنا رسول الله ﷺ لم يكن مجرد خرقٍ لقوانين المادة، بل كان تتويجًا لمقام العبودية؛ فبقدر تلاشي الالتفات للكون في قلب المصطفى ﷺ، فُتحت له أبواب الملكوت، لقد تجلى سِرُّ قوله تعالى: {مَا أَوْحَىٰ} في تلك الخلوة القدسية التي أثبتت أنَّ القرب من الله مِحورُه الافتقار، وأنَّ الحبيب ﷺ هو الواسطة العظمى والقبلة التي تتجه إليها أرواح المحبين.
الإسراء والمعراج.. تجليات القرب حين انطوى الزمان وتلاشى المكان
وتابعت: يَقِفُ لسانُ البيانِ عاجزاً، وتَتوارى الفصاحةُ حياءً حين تَرومُ الكلماتُ وَصْفَ تِلكَ اللَّحظةِ التي انطوى فيها الزمانُ، وتَلاشى فيها المَكانُ، وارتقى فيها الجَنابُ النبويُّ الشريفُ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَقامٍ لَم يَطأهُ مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، إننا في رِحلةِ المِعراجِ لسنا أمامَ خَرْقٍ لِلعادةِ فحسب، بل نحن في حضرةِ "الاصطفاءِ الـمُطلقِ"، حيثُ فُتحتْ أبوابُ الحُجُبِ لِسيّدِ الساداتِ - صلى الله عليه وسلم - ، لِيَكونَ هو "عينَ الوُجودِ" التي تُبصرُ مَنابعَ النُّورِ الأولِ، إنَّ قولَهُ تَعالى: {فَأَوحَىٰٓ إِلَىٰ عَبدِهِ مَآ أَوحَىٰ}، لَيسَتْ مُجرَّدَ إخبارٍ بوحيٍ، بل هي خِتامُ مَراسمِ التَّتويجِ لـ "الإنسانِ الكاملِ" في حَضرةِ القدسِ الإلهيةِ.
مَقامُ العُبوديةِ.. بَوَّابةُ الترقي لِـمَقامِ الحُريةِ
يَستوقفُنا في مَطلعِ هذا المشهدِ المهيبِ وَصْفُ الحقِّ لِـنبيِّه بـ "عَبدهِ"؛ {فَأَوحَىٰٓ إِلَىٰ عَبدِهِ مَآ أَوحَىٰ}. وفي هذا المَقامِ، يَذكرُ الإمامُ القََسْطَلَّانيُّ في المواهب اللدنية: "فلم يزل- صلى الله عليه وسلم- فى خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مرتبة عبوديته له، حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين، فانصبت له هناك أقسام القرب انصبابًا، وانقشعت سحائب الحجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأقيم مقامًا غبطه فيه الأنبياء والمرسلون" [انظر: المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، ج٢، ص٤٨٨]، إنَّ اللهَ تَعالى لَـمَّا أَرادَ أنْ يَرْفَعَ نبيَّهُ إلى أعلى مَقاماتِ القُربِ، لَقَّبَهُ بـأشرفِ ألقابِهِ وهي "العُبوديةُ". فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ما وَصلَ إلى ما وَصلَ إليه إلا بـتحقيقِ كمالِ الافتقارِ للهِ تَعالى.
إنَّ هذا المَقامَ هو "الفناءُ في الـمَعبودِ" الذي أثمرَ بَقاءً بالأنوارِ، وكأنَّ لسانَ الحالِ يَقولُ: لَـمَّا نَـزَعَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن قَلبهِ الالتفاتَ لِكلِّ مَاسِوى اللهِ، جَعلهُ اللهُ مَـمَرَّاً لِتَجليَّاتِهِ، إنَّ العُبوديةَ هي الـمِفتاحُ الذي فُتِحتْ به مَغاليقُ السَّماواتِ، فبِقَدْرِ ذُلِّكَ في بابِ الربوبيةِ، يَكونُ عِزُّكَ في مَلكوتِ الأُلُوهِيَّةِ.
رَفْرَفُ الأُنْسِ وتَوقُّفُ جِبْرِيلَ
عِندَ سدرة المنتهى، حَدثَ الفَصْلُ التاريخيُّ بـينَ مَقامِ "الـمَلَائكيةِ" ومَقامِ "المحبةِ النبويةِ".
تَوقَّفَ الرُّوحُ الأمينُ جبريلُ عليهِ السلامُ، وهو الذي خَرقَ السَّماواتِ بـقوَّتهِ، وقالَ كلمتَهُ الـمَشهورةَ التي نَقَلَها الثعالبي في تفسيره : ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «انْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهَا سِدْرَةٌ، أَعْرِفُ وَرَقَهَا وَثَمَرَهَا، فَغَشِيَهَا مِنْ نُورِ اللهِ سُبْحَانَهُ مَا غَشِيَهَا، وَغَشِيَهَا الْمَلَائِكَةُ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مَا غَشِيَهَا تَحَوَّلَتْ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْعَتَهَا، وَقَالَ: وَفِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَقَامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي وَسَطِهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهَا قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُحَمَّدُ! عَلَيْكَ السَّلَامُ، تَقَدَّمْ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! بَلْ تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَقَالَ: بَلْ تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِّي، فَتَقَدَّمْتُ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى إِثْرِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى حِجَابِ فَرَاشِ الذَّهَبِ، فَحَرَّكَ الْحِجَابَ فَقِيلَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ وَمَعِي مُحَمَّدٌ، فَقَالَ الْمَلَكُ: اللهُ أَكْبَرُ وَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْحِجَابِ فَاحْتَمَلَنِي وَتَخَلَّفَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُلْتُ لَهُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، إِنَّ هَذَا مُنْتَهَى الْخَلَائِقِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْحِجَابِ لِاحْتِرَامِكَ وَإِجْلَالِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِي الْمَلَكُ فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ إِلَى حِجَابِ اللُّؤْلُؤِ فَحَرَّكَ الْحِجَابَ فَقَالَ الْمَلَكُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا صَاحِبُ فَرَاشِ الذَّهَبِ وَهَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ الْعَرَبِ مَعِي، فَقَالَ الْمَلَكُ: اللهُ أَكْبَرُ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْحِجَابِ فَاحْتَمَلَنِي حَتَّى وَضَعَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ مِنْ حِجَابٍ إِلَى حِجَابٍ حَتَّى (جَازُوا بِي) سَبْعِينَ حِجَابًا، غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ (حِجَابٍ إِلَى حِجَابٍ مَسِيرَةُ) خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ دَلَّى إِلَيَّ رَفْرَفٌ أَخْضَرُ، يَغْلِبُ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ فَالْتَمَعَ بَصَرِي وَوُضِعْتُ عَلَى ذَلِكَ الرَّفْرَفِ، ثُمَّ احْتَمَلَنِي حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَى الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ الْعَرْشَ اتَّضَحَ أَمْرُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَقَدَّمَنِي -تَعَالَى اللهُ- إِلَى مَسْنَدِ الْعَرْشِ وَتَدَلَّى لِي قَطْرَةٌ مِنَ الْعَرْشِ فَوَقَعَتْ عَلَى لِسَانِي، فَمَا ذَاقَ الذَّائِقُونَ شَيْئًا قَطُّ أَحْلَى مِنْهَا، فَأَنْبَأَنِي اللهُ تَعَالَى بِهَا نَبَأَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَأَطْلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِسَانِي بَعْدَ مَا كَلَّ مِنْ هَيْبَةِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، فَقَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ» [تفسير الثعلبي:١٦٩٣]
هنا يَصِفُ القَسطلانيُّ في "المواهب"مَشهدَ "الرَّفْرَفِ" الأخضرِ الذي حَمَلَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَقامِ الـمُشافهةِ، إنَّ انفرادَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دُونَ جِبريلَ هو إعلانٌ بأنَّ العلمَ الإلهيَّ الـمُباشرَ (العلم اللدني) لا يَحتاجُ إلى واسطةٍ بـينَ الحبيبِ ومَحبوبهِ، وفي هذا الـمَقامِ، رُفِعَتِ الحُجُبُ النورانيةُ، وسَمِعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَرِيفَ الأقلامِ، وتَلاشتِ الرُّسومُ البشريةُ أَمامَ بَهاءِ التَّجلي الربانيِّ، يقول صاحب المواهب:( أى كان ما كان وجرى ما جرى، وقال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب للحبيب: وألطف به إلطاف الحبيب بالحبيب، فخفى السر ولم يطلع عليه أحد، ما أوحى إلا الذى أوحى) [المواهب اللدنية :٤٨٩].
الإسراء والمعراج .. {مَا أَوْحَىٰ} سِرُّ الإبهامِ وعظمةُ التَّجلي
إنَّ استخدامَ "مَا" الـمَوصولةِ في قولهِ: {مَآ أَوحَىٰ} [النجم: ١٠]، يَحملُ في طيَّاتِهِ سِرّاً بَلاغياً ومَعرفياً بَاهراً؛ وهو "الإبهامُ لِغَرَضِ التفخيمِ"، وكأنَّ ما أَوْحاهُ اللهُ لـنبيِّهِ في تلكَ اللَّحظةِ لا تَسعهُ لُغاتُ البشرِ، ولا تَحملهُ صُحفُ الأوراقِ، ذكره الثعلبي والقشيري.
وقيل: أوحى الله إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل. [المواهب: ٤٨٩]
ولبعض أهل الإشارات: كأن الله تعالى قال له: يا محمد، قد أعطيتك نورا تنظر به جمالي، وسمعا تسمع به كلامي، يا محمد، إني أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلى، يا محمد، أرسلتك إلى الناس شاهدا ومبشرا ونذيرا، والشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد به، فأريك جنتي لتشاهد ما أعددت فيها لأوليائي، وأريك ناري لتشاهد ما أعددت فيها لأعدائي، ثم أشهدك جلالي، وأكشف لك جمالى لتعلم أنى منزه في كمالي عن الشبيه والنظير، والوزير والمشير، فرآه- صلى الله عليه وسلم- بالنور الذى قواه من غير إدراك ولا إحاطة فردا صمدا، لا في شيء، ولا من شىء، ولا قائما بشيء، ولا على شيء، ولا مفتقرا إلى شيء، ليس كمثله شيء ، فلما كلمه شفاها، وشاهده كفاحا، فقيل له: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من سر لا يذاع ورمز لا يشاع، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان سرًّا من سر، لم يقف عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل، وأنشد لسان الحال:
بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم فى الكون يحكيه
سر يمازجه أنس يقابله ... نور تحير فى بحر من التيه.
ويَروي الإمامُ الطبريُّ والبغويُّ وغيرهما في التفسير مَجموعةً منَ الأقوالِ في حقيقةِ هذا الوحيِ، فمنهم مَن قالَ إنَّها "خواتيمُ سورةِ البقرةِ"، ومنهم مَن قالَ إنَّها "البُشرى بالشفاعةِ"، ومنهم مَن قالَ إنَّها "الصلاةُ". ولكنَّ التحقيقَ الرصينَ يَذهبُ إلى أنَّ {فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوحَىٰ} [النجم: ١٠]، تَشملُ "أسرارَ التوحيدِ" و"حقائقَ الـمَلَكوتِ" التي لا يُؤذَنُ بـإفشائها لِغَيرِ الـمُصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - في قولهِ: {فَأَوحَىٰٓ إِلَىٰ عَبدِهِۦ مَآ أَوحَىٰ} [النجم: ١٠]، قال: "أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَدْخُلَهَا، وَعَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُكَ" [انظر: المواهب اللدنية، ج٢، ص٤٩١]، إنَّ هذا الاحتفاءَ بالأمةِ في حَضرةِ القدسِ هو أسمى مَظاهرِ التكريمِ لِصاحبِ الذكرى - صلى الله عليه وسلم -.
الإسراء والمعراج.. مُناجاةُ الحَضرةِ القدسية بالتحية الإلهية "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ"
في ذلكَ الـمَقامِ الذي لا كَيْفَ فيه ولا أَيْنَ، جَرى الحِوارُ الذي نُردِّدُ أصداءَهُ في كلِّ صلاةٍ. عِندما بَدأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بـالثناءِ: "التحياتُ الـمُباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ للهِ"، جاءَ الردُّ الإلهيُّ بـصيغةِ الخطابِ والـمُؤانسةِ: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ".
يقولُ العُلماءُ: إنَّ قولهَ تَعالى "أيُّها النبيُّ" بدلاً من "السلامُ على محمدٍ" هو إشارةٌ لِأنَّ مَقامَ "النبوةِ" هو الـمُخاطَبُ هنا، وهو مَقامٌ مَوصولٌ دَائماً بـنورِ اللهِ، إنَّ هذه التحيَّةَ كانت هي "الوحيَ الأوَّلَ" في ذلكَ اللقاءِ، لِيَشعرَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بـأنَّهُ في بَيتِ الكرامةِ، وأنَّهُ الـمُرادُ من هذا الوجودِ.
رُؤيةُ الفؤادِ.. نُورٌ على نُورٍ
يَطرحُ الإمامُ القَسطلانيُّ مَسألةَ "الرُّؤيةِ" بـأسلوبٍ مَنطقيٍّ بَديعٍ، فَيَجمعُ بـينَ قولِ عائشةَ -رضي الله عنها- التي نَفَتِ الرُّؤيةَ (بـمَعنى الإحاطةِ)، وبـينَ قولِ ابنِ عباسٍ الذي أَثبتَها. والخلاصةُ التي يَميلُ إليها المحقِّقونَ هي ما جاءَ في الحديثِ الصَّحيحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَتَانِي رَبِّي عز وجل اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» [مسند الإمام أحمد: ٣٤٨٤].
إنَّ الرُّؤيةَ في المعراج كانت رُؤيةً تليقُ بـجلالِ اللهِ، جَعَلَ اللهُ فيها بَصَرَ النبيِّ وقَلبهُ شيئاً واحداً؛ لِيَتَحققَ قوله تَعالى: {مَا كَذَبَ ٱلفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ} [النجم: ١١]، فالفؤادُ النبويُّ هو الـمِرآةُ الصافيةُ التي انعكستْ عليها أنوارُ الذاتِ، فكانَ - صلى الله عليه وسلم - يَرى بـقلبهِ ما يراهُ بـبصرهِ، في اتِّساقٍ مُعجزٍ يَدلُّ على كمالِ التَّمكينِ الإلهيِّ لـه.
وشددت على أنَّ رِحلةَ الإسراء والمعراج، وتَحديداً مَقامُ {فَأَوحَىٰٓ إِلَىٰ عَبدِهِۦ مَآ أَوحَىٰ} [النجم: ١٠]، هي دُستورُ "المحبةِ الإلهيةِ"، لَقَد قَدَّمتْ لَنا هذه الرِّحلةُ نبيّاً ليس مُجرَّدَ سَاعي بَريدٍ، بل هُوَ "حبيبٌ" مَطلوبٌ لِلحضرةِ، ومُكَرَّمٌ بـالصُّحبةِ.
كما أنَّ المنهجَ الذي نَستلهمُهُ هو: أنَّ القُرْبَ من اللهِ لا يَكونُ بـقَطْعِ الـمَسافاتِ، بل بـتَطهيرِ المقاماتِ، فالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يَرتقِ لِلسَّماءِ فقط، بل ارتقى لِيُرينا أنَّ الروحَ الإنسانيةَ إذا صَفَتْ، تَمكَّنَتْ من سَماعِ وحيِ الجلالِ.





