ما حكم دعاء المسلمين لبعضهم بعد الصلاة وقول تقبل الله؟
قالت دار الإفتاء إن دعاء المصلين لبعضهم عقب الفراغ من الصلاة بما تيسر من عبارات الدعاء مشروعٌ، ولا يجوز إنكاره شرعًا؛ لأن الدعاء مشروع بأصله، وإيقاعه عقب الصلاة آكد مشروعيةً، وأشدُّ استحبابًا، فإذا كان من المسلم لأخيه فهو أدعى للقبول، وبذلك جرت سُنّةُ المسلمين سلفًا وخلفًا، وإنكارُ ذلك أو تبديعُ فاعله ضربٌ من التشدد والتنطع الذي لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
حكم قول "تقبل الله" بعد الصلاة
دعاء المصلي بعد الصلاة لمن يجاوره أو لمن معه من المأمومين بالقبول؛ كأن يقول له: "تقبل الله" أو "بالقَبول"، فيرد عليه بقوله: "تقبل الله منا ومنكم" أو نحو ذلك، فهذا كله من الدعاء المستحسن شرعًا، والدعاء مأمور به على كل حال؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55].
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» أخرجه ابن ماجة في "السنن" وأحمد، وأبو داود الطيالسي في "المسند"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الحاكم في "المستدرك".
حكم قول “تقبّل الله” بعد الصلاة
قول المسلم لأخيه المسلم “تقبل الله” عقب الصلاة، وردت فيه أدلة عامة وأخرى خاصة، تدل بمجموعها على أن هذا الدعاء مستحب شرعًا، وليس بدعة كما يظن بعض الناس، بل هو من جوامع الخير والدعاء بالقبول، وقد جرى عليه عمل الصحابة والتابعين والسلف الصالح.
أولًا: الدعاء بعد الصلاة مشروع ومستحب
الدعاء مأمور به شرعًا في كل وقت، ومنه ما يكون عقب الصلوات، وقد دلَّ على ذلك:
• قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
• وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 103].
• وحديث النبي ﷺ لما سُئل: “أي الدعاء أسمع؟” قال: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» (رواه الترمذي).
ثانيًا: الدعاء بقبول العبادة مشروع بنصوص خاصة
• كما دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام عقب بنائه الكعبة فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: 127].
• ودعت امرأة عمران بقبول نذرها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: 35].
• وقال الحافظ ابن حجر: هذا دليل قوي على مشروعية الدعاء بالقبول لمن أدى عبادة.
ثالثًا: ورود صيغة “تقبل الله منا ومنك” في السنة وآثار الصحابة
• عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: “لقيت رسول الله ﷺ يوم عيد فقلت: تقبَّل الله منا ومنك، فقال: نعم، تقبَّل الله منا ومنك” (رواه الطبراني).
• وكان الصحابة إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: “تقبل الله منا ومنك” (أخرجه المحاملي، وحسنه ابن حجر).
• وسُئل الإمام أحمد عن ذلك فقال: لا بأس به، يروى عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، ولا يُكره أن يُقال يوم العيد.
رابعًا: منهج السلف في الدعاء بالقبول
كانوا إذا فرغوا من العبادة، أشد ما يكون حرصهم على قبولها:
• فعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ فسر الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ بأنهم الذين “يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يُقبل منهم”.
• وقال عليٌّ رضي الله عنه: “كونوا لِقَبول العمل أشدَّ همًّا منكم بالعمل”.
خامسًا: ورود حديث خاص في الجمعة
ورد حديث –وإن كان في إسناده كلام– عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
“مَن لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة، فليقل: تقبَّل الله منا ومنك، فإنها تُغفر لهما” (رواه الضحاك عن ابن عباس). وهذا على ضعفه يُقوَّى بمجموع الآثار والسياق العام


