العلاقات الثنائية المصرية الامريكية لا تقوم على تقوية الصلات مع الرئيس الأمريكي ومعاونيه و إدارة حكومته فقط ولكن أيضا على القدرة على التأثير داخل أروقة الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ و ايجاد اصدقاء لمصر من أعضاء الكونجرس و معاونيهم ، و ربط المصالح الأمريكية بالصالح المصرية والقدرة على النفاذ و شرح السياسات المصرية سواء للقائمين على الأمور في البيت الأبيض او الكونجرس أو الإعلام الأمريكي ، و الكل يتحدث حاليا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ و تأثير ذلك على العامين المتبقيين لفترة رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو تأثير كبير بلا شك سيحوله من يناير القادم الى ما يشبه البطة العرجاء حيث سيكون غير قادر في أغلب الأحوال على اتخاذ قرارات كبيرة أو شن حروب جديدة ، و لكن السؤال الأهم لنا هو ما تأثير ذلك التغيير على المصالح المصرية والعلاقات المصرية الأمريكية؟
و تتوقف الإجابة اولا على القرارات التي قد يتخذها ترامب خلال الفترة القادمة ، فإذا ما قرر مثلا التصعيد ضد إيران و القيام بعمليات عسكرية قوية فإن ذلك سيكون له تأثيره السلبي بلا شك على الاقتصاد المصري الذي يعاني منذ فترة بسبب الكوفيد ١٩ ثم الحرب الروسية على أوكرانيا و اخيرا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران و ما تبعها من إغلاق مضيق هرمز و باب المندب الأمر الذي يهدد الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد الغذائي و هي عوامل أدت لتخفيض عوائد قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري ، كما أن استمرار عدم الاستقرار يؤدي لمزيد من اضعاف الاقتصادي لدول الخليج الأمر الذي سيؤدي بلا شك إلى فقدان عدد من المصريين العاملين في الخليج لوظائفهم مما سيؤثر على المصدر الثاني للدخل القومي المصري وهو تحويلات المصريين بالخارج و الذي يعتبر المصريين بالخليج جزء كبير من المساهمين في تلك التحويلات، بجانب كل ذلك فإن عدم الاستقرار في المنطقة قد يكون له تأثيره السلبي على السياحة القادمة إلى مصر وهو مصدر الدخل القومي الثالث ، لهذا فان الاتصالات المصرية الديبلوماسية لا تنقطع على مدار الساعة في محاولة للوصول إلى حلول وسط ومنع أي تصعيد عسكري سيكون له اثاره السلبية إن لم تكن الكارثية على الجميع ،
اما اذا تم التوصل إلى حلول دبلوماسية فإن مصر ستواجه على الأرجح خلال العامين القادمين مزيدا من الانتقادات من الكونجرس الأمريكي في ملف حقوق الإنسان و الحريات و هو ما دأب الحزب الديمقراطي عليه من قبل عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما،
و لكن سيظل كل ذلك محدود التأثير حيث من المنتظر أن يركز أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي على مهاجمة ترامب وسياساته المنحازة للأغنياء في العام القادم ثم سينشغل الجميع في العام الذي يليه ٢٠٢٨ بالتحضير للانتخابات الرئاسية التي ستجري في نوفمبر ٢٠٢٨ ، و حتى الان من المنتظر ان يخوضها من الحزب الجمهوري جيه دي فانس نائب الرئيس ترامب والذي يتردد اسمه بقوة كأحد أبرز الوجوه الشابة المؤهلة لوراثة تيار "ماغا" داخل الحزب أو تيد كروز عضو مجلس الشيوخ البارز الذي تشير التحليلات الإعلامية إلى بدء تحركاته مبكرًا او ماركو روبيو وزير الخارجية الحالي، أما من الحزب الديمقراطي فالصورة ليست واضحة حول الأسماء التي قد تترشح ، والأمر سيتوقف على الأداء خلال الفترة القادمة ، و توجد أسماء مطروحة لعل أبرزها الكسندريا اوكاسيو كورتيز التي تحظى بدعم من الشباب و بيرني ساندرز و هي عضو مجلس نواب عن نيويورك و تعد من أبرز وجوه التيار التقدمي ، و غافين نيوسوم حاكم كاليفورنيا التي شهدت علاقته مع ترامب توترا حادا وصل إلى درجة دعوة نيوسوم إلى عزل ترامب ووصفه ب"المختل عقلياً"، داعياً إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي لعزله من منصبه. و ايضا يوجد اندرو يانغ رجل الأعمال والمرشح الديمقراطي السابق لعام 2020 (ومؤسس حزب فورورد حالياً)؛ وجوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا) الذي يحظى بشعبية كبيرة في ولاية متأرجحة رئيسية، ويُتوقع أن يكون جزءاً أساسياً من الحوار حول مستقبل الحزب وغريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان) و ايضا كامالا هاريس نائبة الرئيس السابقة التي تمتلك قاعدة دعم واسعة وخبرة رئاسية،
كلها اسماء لازالت مطروحة ولم يتم رسميا حسم الأسماء التي ستتسابق للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، و في الأغلب ستتجه أمريكا إلى تفضيل الأفكار الاشتراكية لبيرني ساندرز الذي يركز على خطاب العدالة الاقتصادية، ومواجهة حكم الأثرياء النافذين، والدفاع عن الطبقة العاملة و تسهيل مزيد من الخدمات للمواطنين والتركيز على الاحتياجات اليومية للأسر العاملة ،بدلا من سياسات ترامب التي تميل لصالح طبقة الأغنياء و تتجاهل تحسين حياة الفقراء ، و كلها أفكار السياسي الأمريكي البارز بيرني ساندرز ٨٥ عاما المرشح الرئاسى السابق والسيناتور الأقدم عن ولاية فيرمونت في مجلس الشيوخ الأمريكي و هو يهودي أمريكي ينتقد السياسات الإسرائيلية ووصف سياسة حكومة نتنياهو ضد الفلسطينيين بانها ابادة جماعية و يمتلك حاليا نفوذ كبير داخل شباب الحزب الديمقراطي ويركز خطابه على مواجهة نفوذ المليارديرات والأثرياء، ويطالب بفرض ضريبة بنسبة 5% على ثروات المليارديرات، وقد عارض تاريخياً غزو العراق، ويطالب بقطع ووقف المساعدات والتمويل العسكري الإضافي لحكومة نتنياهو بسبب الحرب على غزة، كما يعتبر أي حروب غير مصدق عليها دستورياً من الكونغرس (مثل المواجهات مع إيران) غير قانونية ومخالفة للدستور. كمل طرح ساندرز مؤخراً مشاريع قوانين تدعو إلى وقف تطوير "الذكاء الاصطناعي الفائق" مؤقتاً وفرض قيود على إنشاء مراكز البيانات التكنولوجية، محذراً من أن خروج التقنيات الفائقة عن السيطرة يمثل تهديداً للبشرية جمعاء.
و يمثل تيار ساندرز حاليا اتجاه قوي و مؤثر داخل الحزب و قد دعم عدة مرشحين منهم عبدول السيد المصري الأصلو قد نجحوا جميعا في الانتخابات ، وما يهمنا حاليا هي التحركات القادمة في المنطقة وما يخص العلاقات المصرية الأمريكية ، خاصة و ان ترامب هدد بوقف المعونات الأمريكية عن إسرائيل، وللأسف فإن المعونات العسكرية الأمريكية لمصر كانت مرتبطة منذ اتفاق السلام المصري الإسرائيلي برعاية امريكية بملف المعونات الأمريكية لإسرائيل، و انا هنا لا أتحدث عن المعونات الأمريكية غير العسكرية والتي تم خفضها لمصر بشكل كبير فمنذ عام 1982، استقرت المساعدات الأمريكية لمصر في مجملها عند نحو 2.1 مليار دولار سنوياً تنقسم إلى 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية،وتُخصص لشراء المعدات العسكرية، والتدريب، والدعم الفني، وقطع الغيار، و تقريبا 300 مليون دولار اقتصادية ، و قد أقدمت وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر الماضي على التنازل عن إعفاء مصر من شروط حقوق الإنسان المرتبطة بجزء من التمويل العسكري بقيمة 320 مليون دولار، استناداً إلى الدور الأمني لمصر ومصالح الأمن القومي الأمريكي، وهو ما رحبت به القاهرة ، و قد يشهد ملف المعونات بعض التحركات خلال العام القادم في ظل أغلبية ديمقراطية ، ولهذا فمطلوب تحركات مصرية دبلوماسية وإعلامية استباقية لمزيد من مد خيوط التواصل مع أعضاء الكونجرس الجدد و محاولة إعادة خلق أصدقاء لمصر و تقوية العلاقات المصرية الأمريكية التي تصب لصالح الطرفين. فالعلاقات لا تقتصر أهميتها فقط على ملف المعونات العسكرية و لكن التنسيق بين البلدين في عدة قضايا إقليمية يصبح لصالح مصر والمنطقة بأكملها وأمريكا وهو ما يجب ان تدركه مصر والولايات المتحدة.